إعادة التموضع الجيوسياسي في سوريا، من محور المقاومة إلى الشراكة الغربية
محمد أمين أوسي
سقوط نظام بشار الأسد شكّل نقطة تحوّل استراتيجية ليس فقط في الداخل السوري، بل في مجمل التوازنات الإقليمية التي ظلت لعقود ترتكز على وجود سوريا في محور المقاومة إلى جانب إيران وحزب الله وبرعاية روسية. انهيار هذا النظام، الذي مثّل حجر الزاوية في شبكة نفوذ إيرانية ممتدة من طهران إلى بيروت، أحدث فراغاً جيوسياسياً أعاد تشكيل موقع سوريا الإقليمي والدولي من جذوره.
المرحلة التي أعقبت السقوط لم تأتِ بولادة نظام بديل وحسب، بل بدولة جديدة في طور التشكّل، تتجه بخطى واضحة نحو شراكة مع الغرب، وانفتاح على المحيط العربي، وسعي نحو نظام سياسي تعددي يقطع مع مركزية السلطة الأمنية التي حكمت البلاد لعقود. حكومة انتقالية بقيادة أحمد الشرع، مدعومة من طيف واسع من المعارضة، بدأت إعادة بناء مؤسسات الدولة على قاعدة من التوافق الوطني والانفتاح الإقليمي.
أبرز مظاهر التموضع الجديد تمثّلت في الانسحاب الكامل للقوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها من الأراضي السورية، بعد فقدانها للغطاء السياسي والدعم اللوجستي الذي كان يقدمه النظام السابق. لم يعد لإيران موطئ قدم في سوريا ما بعد الأسد، لا سياسياً ولا عسكرياً، وهو ما مثّل ضربة قاصمة لمشروع "الهلال الشيعي"، وأعاد توزيع أوراق النفوذ في المشرق العربي. ومع خروج طهران من المشهد، تراجعت موسكو أيضاً إلى مناطق محدودة على الساحل، دون تدخل في المعادلة السياسية الجديدة.
في المقابل، سارعت الدول الغربية – وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا – إلى دعم الحكومة الجديدة، سياسيًا واقتصاديًا. واشنطن التزمت برفع تدريجي للعقوبات وتوفير دعم مالي وفني لإعادة الإعمار، مقابل التزام دمشق الجديدة بعملية سياسية دستورية، واحترام الحريات، وضمان تمثيل جميع المكونات في مؤسسات الدولة.
الدول العربية من جانبها، خصوصاً السعودية والإمارات وقطر، أعادت فتح قنوات التعاون مع دمشق وشاركت في مؤتمر دولي لإعادة الإعمار احتضنته الرياض، نتج عنه إنشاء صندوق خليجي لدعم مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية. لم تكن هذه العودة مجرد مساهمة مالية، بل استعادة لدور عربي كان غائباً لسنوات، ومحاولة لإعادة سوريا إلى عمقها العربي بعد سنوات من العزلة.
التحوُّل التركي بدوره كان لافتاً. فبعد سنوات من التصادم مع دمشق، أعادت أنقرة تموضعها تدريجيًا عبر تفاهمات أمنية وسياسية مع الحكومة الانتقالية، شملت ضبط الحدود، وتسوية وضع الفصائل المسلحة التابعة لها، وفتح مسارات لعودة اللاجئين بضمانات دولية. في المقابل، وافقت الحكومة السورية الجديدة على إعادة هيكلة العلاقة مع المناطق الشمالية، في إطار لا مركزي يحترم السيادة السورية.
أما الكرد في سوريا، فقد وجدوا أنفسهم أمام فرصة تاريخية نادرة بعد سقوط النظام وانفتاح البلاد على مرحلة سياسية جديدة. فبدلاً من المراهنة على مشاريع عاطفية وغير ممكنة على أرض الواقع، أصبح من الضروري الآن التحرّك بحكمة لاستغلال المتغيرات الإقليمية والدولية للمطالبة بحقوقهم القومية واللغوية والسياسية، ضمن إطار دولة سورية موحدة.
إن التوقيت مناسب أكثر من أي وقت مضى لتثبيت مكانة الكرد كشركاء أساسيين في بناء سوريا الجديدة، عبر دستور يضمن العدالة والمساواة والتعددية، ويعترف بالتنوع الثقافي والقومي كعنصر قوة لا تهديد. هذا المسار، إن تم تبنيه بواقعية ومسؤولية، سيجنب الكرد العزلة السياسية، ويفتح أمامهم أبواب الشراكة الفعلية مع مكونات المجتمع السوري الأخرى، في إطار مشروع وطني جامع يقطع مع تهميش الماضي ويفتح أفق المستقبل.
في الداخل السوري، تبدّلت ملامح المشهد السياسي بشكل جذري. النخبة الأمنية القديمة اختفت، وحلّ مكانها جيل جديد من التكنوقراط والمعارضين السابقين ورجال الأعمال العائدين من الشتات، يعملون على تأسيس دولة قانون ومؤسسات. الحياة العامة شهدت انفراجاً سياسياً نسبياً، فيما بدأت النقاشات الدستورية في مجلس تأسيسي موسّع يضم ممثلين عن جميع المكونات، في سابقة لم تشهدها البلاد منذ الاستقلال.
لكن رغم هذا الزخم، لا تزال التحديّات قائمة. إذ أن إعادة بناء الدولة تتطلب وقتًا وصبرًا، وإعادة الثقة بين السوريين تحتاج إلى عدالة انتقالية واضحة المعالم. كما أن الخروج من المحاور لا يعني الانصهار في تحالفات جديدة بشكل غير مشروط. على القيادة الجديدة أن توازن بين الشراكة الدولية والحفاظ على القرار الوطني المستقل.
في المحصلة، فإن سوريا ما بعد الأسد أمام لحظة تاريخية مفصلية: إما أن تبني دولة متصالحة مع محيطها وذات مؤسسات عادلة تحترم التعدد، أو أن تنزلق مرة أخرى لا سامح الله إلى محاور النفوذ والصراعات الوكيلة. المستقبل مفتوح، لكن المؤشرات الأولى توحي بإمكان قيام مشروع وطني متين، قادر على إعادة سوريا إلى دورها الطبيعي في المنطقة، ولكن هذه المرة، من موقع الشراكة لا من موقع الصدام.