التصريحات العشوائية، بين حسن النية وسوء التقدير

التصريحات العشوائية، بين حسن النية وسوء التقدير

صلاح عمر

من المؤلم أن نرى الوفد الكردي، الذي عُلّقت عليه آمال كبيرة في لحظة مفصلية من تاريخ شعبنا، وقد استبدل لغة الصمت النبيل والحكمة السياسية، بسيلٍ من التصريحات التي تنطلق كل يوم، وكأننا أمام استعراض إعلامي لا مفاوضات مصيرية. في وقتٍ ما تزال فيه دمشق صامتة، تراقب المشهد بعين المترقب البارد، بلا تصريح واحد، ولا موقف معلن، يتحرّك بعض أعضاء الوفد الكردي بخفة لا تليق بعظمة المرحلة، وكأنهم يفاوضون الشاشات لا الدولة. كأنهم يوزعون الوعود قبل أن تكتب الكلمات الأولى على ورقة التفاوض، ويتحدّثون عن نتائج قبل أن تُعقد الجلسة الأولى. كيف نفسّر هذا الاندفاع غير المنضبط؟ هل هي قلة خبرة سياسية؟ أم نزعة فردية تستعجل المكسب الشخصي على حساب الموقف الجماعي؟ أم أننا لم ندرك بعد أن العمل الوطني يتطلب ضبط النفس أكثر من رفع الصوت؟
من يتكلم كثيرًا قبل أن يبدأ التفاوض، يدخل إلى طاولة الحوار وقد خسر نصف معركته، لأنه كشف أوراقه، وأربك فريقه، وشوّش على الرأي العام. المفاوضات الحقيقية تُخاض بصمتٍ عميق، بالتفكير لا التهريج، بالحسابات الدقيقة لا الشعارات الفضفاضة. وكل تصريح غير محسوب هو بندٌ خاسر يُضاف إلى قائمة التنازلات المجانية التي لا نراها لكنها تؤلم. بعض من يتحدثون اليوم لم يدركوا أن كرامة الوفد تبدأ من صمته، من تماسكه، من قدرته على أن يظهر موحدًا، لا مبعثرًا، ناطقًا بصوت واحد لا عشرين. كل كلمة متسرعة تشبه رصاصة عشوائية قد ترتد وتصيب صاحبها. وكل خروج عن الانضباط الإعلامي هو خدش لهيبة القضية قبل أن يكون خطأً شخصيًا.
القضية الكردية لا تُختصر بميكروفون، ولا تختزلها قاعة مؤتمر صحفي. نحن أبناء قضية ناضلت تحت الأرض، في السجون والمنافي والمقابر الجماعية. وكل ما حققناه، تحقق بالصبر، بالتضحيات، لا بالكلام المتسرّع. لذا فإن الشعب الكردي اليوم ينظر إلى من يُفترض أنهم ممثلوه بعين متفحصة، يتساءل: هل هؤلاء على قدر اللحظة؟ هل يستحقون هذا التكليف التاريخي؟ أم أن بعضهم لا يزال يتصرّف بمنطق الزعيم المحلي، لا رجل الدولة؟ إننا نحتاج اليوم إلى أعلى درجات النضج والانضباط، لا إلى الفوضى اللفظية. نحتاج إلى ناطق واحد، إلى غرفة قرار سياسية واحدة، إلى التزام حقيقي بتمثيل صوت الشعب لا مصالح الأفراد. لأن قضيتنا ليست ورقة في مفاوضات هامشية، بل هي وجود وهوية ومصير.
إن استمرار هذا السلوك يُضعف الموقف الكردي، ويمنح الطرف المقابل مزيدًا من الثقة بالنفس. فكلما تكلمنا نحن، وصمتوا هم، زادت أوراقهم، وتراجعت أوراقنا. وكلما بدا المشهد وكأننا نلهث خلف التفاوض، كلما خسرنا عنصر المبادرة. إن الشعب الكردي لا يريد وعودًا على المنابر، بل يريد التزامًا حقيقيًا في الميدان السياسي، خطابًا متزنًا، مواقف راسخة، ووفدًا يرقى لحجم التحدي. فإما أن نُجيد تمثيل أمتنا، وإما أن ننسحب بصمت ونترك المجال لمن يملك من الحكمة ما يكفي لصون الكرامة قبل أي شيء آخر.
إن صوتنا ليس بحاجة إلى الارتفاع... بل إلى الاتزان. ولسنا بحاجة إلى الظهور في الإعلام، بل إلى الظهور في التاريخ. فالتاريخ لا يخلّد من صرخ كثيرًا، بل من صمت بحكمة، وتكلم عندما وجب الكلام، ووقف حين كانت كل الرياح ضده. فهل نفعل؟ وهل نرتقي إلى ما ينتظره شعبنا؟ أم سنكرر خيباتنا بأيدينا، ونُفقد قضيتنا ما تبقى من احترامٍ في عيون خصومنا قبل أهلنا؟