الكرد والتاريخ المسلوب، آن الأوان لإظهار الحقيقة
آزاد وادي
يمتلك الشعب الكوردي تاريخاً عريقاً يمتد لآلاف السنين، تجذّر في أرض كوردستان الكبرى، حيث نشأت، وازدهرت حضارات إنسانية عظيمة مثل السومريين، الكاشيين، الهوريين، الميتانيين، والميديين، وغيرهم من حضارات هذه المنطقة لم تكن هذه الحضارات مجرّد شواهد على الوجود الكوردي الضارب في عمق التاريخ، بل كانت منارةً ساهمت في تطوُّر البشرية، من الزراعة الأولى والتنظيم الاجتماعي، إلى الفنون وبدايات مفهوم الدولة.
ورغم هذا الإرث الحضاري الغني، ظلّ الكورد في نظر كثيرين شعباً بلا تاريخ واضح، ويُقدَّمون في الوعي الجمعي لشعوب المنطقة على أنهم طارئون، بلا جذور، وكأنهم غرباء في أرضهم. لم تكن هذه النظرة وليدة المصادفة، بل نتاجاً لسياسات ممنهجة مارستها الأنظمة القومية في الدول التي اقتُسمت فيها كوردستان بفعل اتفاقيات استعمارية مثل سايكس بيكو ولوزان. سياسات هدفت إلى طمس الهوية الكوردية وتهميش دورها التاريخي.
لكن الزمن تغيّر، وبدأت ستائر التزوير تتهاوى أمام نضال شعب حيّ، عرف كيف ينهض رغم كل محاولات الإقصاء. لقد أثبت شجعان الكورد، نساءً ورجالاً، عبر نضالاتهم السياسية والثقافية والميدانية ومحاربتهم للإرهاب أن لديهم قضية عادلة، وأنهم ليسوا ضحايا بل شركاء في صناعة التاريخ. القضية الكوردية اليوم لم تعد حبيسة الظل الإعلامي والتشويه السياسي، بل باتت حاضرة في المحافل الدولية، والعالم بدأ يُدرك حجم الظلم التاريخي الذي تعرّض له الكورد.
لقد آن الأوان للكورد أن يُعرّفوا العالم بحقيقتهم، لا فقط كشعب عانى التهميش، بل كأمّة حيّة ساهمت في بناء حضارة هذه المنطقة. إن استرداد التاريخ ليس ترفاً ثقافياً، بل واجب وطني وأخلاقي. وهنا، تقع على عاتق إقليم كوردستان مسؤولية محورية في قيادة مشروع متكامل لإعادة كتابة التاريخ الكوردي وتقديمه للعالم بصورة علمية وموثقة. فالإقليم، بما يمتلكه من هامش من الحرية والاستقرار السياسي، هو الكيان الأقدر اليوم على النهوض بهذه المهمة الكبرى.
ولا تقتصر هذه المسؤولية على تسليط الضوء على حضارات جنوب كوردستان فقط، بل تمتدُّ لتشملَ كامل أجزاء كوردستان الأخرى. فهناك حضارات وآثار تم اكتشافها في روج آفا (غرب كوردستان)، مثل حضارة أوركيش التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وكهف "دوو دري" في عفرين، الذي تم فيه اكتشاف بقايا طفل من نوع نياندرتال. كما أن هناك الكثير من الأوابد الأثرية التي تُثبت عراقة الوجود الكوردي في هذه المنطقة، وتؤكد أن الكورد هم من الشعوب الأصيلة في هذه الأرض، لا طارئين عليها.
في شمال كوردستان تشهد آثار "آمد" وتل "زوزان" وغيرهم على عمق الحضور الكوردي في التاريخ، بينما تحتضن مناطق شرق كوردستان (إيران) مثل "هورامان" ومدينة "سنه" آثاراً تعود إلى العصر الحجري الحديث، مما يُبرهن على أن كوردستان كانت واحدة من مهاد الحضارة الإنسانية، وأن الكورد ليسوا مجرد جزء منها، بل من صُنّاعها الأساسيين.
لأجل هذه الغاية، نحن بحاجة إلى مشروع وطني شامل يُعيد كتابة التاريخ من منظور كوردستاني، قائم على البحث العلمي والتوثيق الممنهج. يجب أن يستثمر الإقليم في الإعلام الموجّه، والمؤسسات الأكاديمية، والمراكز البحثية المتخصصة، لإنتاج سردية دقيقة ومعاصرة تضع الكورد في موقعهم الحقيقي ضمن تاريخ المنطقة. نحن بحاجة إلى أفلام وثائقية، ومناهج دراسية حديثة، ومعارض دولية ومؤتمرات ثقافية تُبرز العمق الحضاري الكوردي، وتُعرّف العالم بالحقائق الغائبة.
في هذا السياق، يمكن للقنوات التلفزيونية الناطقة بالعربية داخل إقليم كوردستان، مثل "شمس" و"زاغروس"، أن تلعب دوراً محورياً في مدّ الجسور الثقافية مع العالم العربي. من خلال هذه القنوات، يمكن إنتاج برامج توثيقية وحوارية تسهم في تصحيح المفاهيم المغلوطة، وتعزز الفهم الإنساني لعدالة القضية الكوردية، وتُظهرها بوصفها قضية حقوق، لا مجرد خلاف سياسي.
التاريخ لا يُورث، بل يُنتزع. والكورد ليسوا عابري سبيل في هذه الأرض، بل من طينها وجبالها، من روافد حضارتها، ومن أقدم شعوبها. آن الأوان لتعلو الحقيقة، ويُصحّح الظلم التاريخي، ويُعاد لهذا الشعب حقه في أن يروي تاريخه بلسانه، لا بلسان غيره.
ها هو النداء موجّه اليوم من كوردستان إلى كوردستان: لا تتركوا تاريخنا نهباً للطمس والتزوير. اصنعوا روايتكم، وعلّموها لأبنائكم، وانقلوها إلى العالم كما هي: حكاية شعب حيّ، عاش، وبنى، وناضل، وظل واقفاً رغم كل المحن.