سوريا المنكوبة بين الجولاني والشرع المنتظر
فرحان كلش
مازلتُ لا أفرّق بين الرجلين، ولن أتواطأ مع فكرة أن إسقاط النظام السابق كافٍ لتقديم الطاعة ورفع شعار المؤيدين بلا قيد وشرط أن من يحرر يقرر، هذا الشعار الخبيث اُستُخدم بما يماثله وبنفس سياقات تثبيت القدم في الحكم، كالضباط الأحرار في مصر، والعقداء السود في السودان.... وفي دول مختلفة كثيرة، هذه الطوابير التي أثبتت أنها تستغل المرحلة لتتصرف عكس حركة المجتمعات بل كانت مفرملة لهذه الحركة، وطالما لم يثبت الشرع أنه انسلخ عن إرثه القديم بلا حنين، من خلال مراجعة سياسية-فكرية، وإبداء اعتذار عام عن سنوات ظهر فيها بلبوس إرهابي موصوف، وأحكام قضائية دولية ضده، وطالما لم يبيّن الجولاني أنه استلبس خصائص قيادة دولة بمفاهيم حديثة، من خلال مواجهة الواقع السوري الواسع والمتشابك، المجتمعي والمعيشي والسياسي والوطني، سيبقى التوصيف الحقيقي للحالة القائمة في دمشق بمرحلة إدارة عملية تثبيت ديكتاتور جهادي-سلفي على إرث ديكتاتور كلاسيكي.
بعد ما يقارب الستة شهور مضت، وبجردة حساب، لا يمكن ملاحظة أية خطوة نحو بناء دولة للسوريين، على العكس تماماً فما يعتبره البعض إنجازاً لهذه الإدارة في دمشق، هو مجرد ناتج سياسي عن الصراع الإقليمي والدولي على سوريا، ولا منَّة للجولاني فيها.
إنّ ما تم هو انقلاب عسكري، تكاتف جزء مهم من الجيش السوري الذي دافع عن المخلوع طويلاً وفصائل عسكرية إرهابية، مستغلاً حالة اليقين بالسقوط الحتمي للنظام من الداخل وارتباطاً بنتائج ضربات إسرائيل للأذرع الداعمة له، وكل ذلك تحت غطاء سياسي متعدد المصادر.
وقد قالها الجولاني بأن الثورة انتهت، ولم يستخدم بعد أي مصطلح تم تداوله طيلة أربعة عشر عاماً من الهتاف والبيانات ودفن الجثث حيثما تشظت، والقهر خلف القضبان الباردة.
إنه يؤسس له ولذاته ويكرر الخطابات الإنشائية حيثما حل، يعد العالم بأنه سيكون حنوناً على شعبه، لأنّ العالم وإن استظهر الابتسامة في حالة شك من أن يكون رجل دولة لكل السوريين، وهو يصرّ أن يكون رجل العدالة التي يراها هو، رجل الإنسانية التي يتخيلها هو، رجل المساواة كما يقدرها هو.
وحتى لا نسوّد الواقع كما قد يعتقد البعض، علينا أن نؤكد أن الرجل باسمَيه، يحصل على تأييد من نوعين، نوع شكّل الحاضنة الفكرية لرؤيته الجهادية، ونوع آخر يؤيده من منطق الواقعية، وأن هذا هو قدر السوريين، خاصة بعد عملية بيع المواقف العلنية التي أبدتها دول عظمى، كأمريكا التي جاءت قراراتها الأخيرة على البيعة كما يُقال، بعد أن ابتزت الخليجيين، وحصلت منهم على مليارات كثمن بقائهم كسلاطين وملوك وأمراء.
إن الجولاني يمرّ من ثقب أسود قابل لإلتهامه في أية لحظة، لأن الرجل لا يملك رؤية عن كيفية بناء دولة، فالجزء الذي اعتنى به وجعله منطلقه الداخلي كان توحيد الفصائل، ولكن الحقيقة أن هذه الفصائل متعددة الانتماءات والمشارب الفكرية، ولا يمكن أن تكون إلا ذات ولاء، ولا يمكنها أن تكون جيش وطني سوري محايد في الصراعات الداخلية.
كان على الرجل أن يبدأ بنفسه، يرمي ماضيه المخيف في سلة مهملات الوطن، وينطلق من أن سوريا ليست إدلب، وإن السوريين ليسوا كلهم كمن عاشرهم على مدار عقد ونصف، وإن الإمامة بالسوريين جميعاً أصعب بما لا تقاس، بالمقارنة مع خلقه للشرع المنتظر أمام أتباعه.