عامان على المؤتمر الثاني عشر، مستقبل المشروع الكوردي

عامان على المؤتمر الثاني عشر، مستقبل المشروع الكوردي

شفان إبراهيم

على أقل تقدير، بالنسبة ليّ، لا يُمكنني اعتبار انقضاء عامين على المؤتمر الثاني عشر للحزب الديمقراطي الكوردستاني -سوريا، والذي افتتحه ورعاه الرئيس مسعود البارزاني، على إنه مناسبة احتفالية فحسب. خاصة وأنه يتزامن والذكرى 68 لميلاد الحزب. بل كلحظة فاصلة تستدعي وقفة تأمل عميقة، نُعيد فيها طرح الأسئلة الجوهرية حول المشروع الكوردي، ومستقبل حوامله ومؤسساته، وحدود تأثيره في فضاء إقليمي متقلب، ودوليّ لا يعترف إلا بمن يُجيد لغته.
الحزب الذي ولد من رحم النضال وقلب المعاناة، صمد طويلاً، وتحوّل من تنظيم شعبي إلى واجهة وعمق سياسي فاعل وأن لم يكن بالرغبة المأمولة، وإن كانت التجربة تستحقُّ التقدير، فإنها تستلزم وتستحق النقد بالقدر نفسه. ومابين الرصد التاريخي والتحديدات المتجددة، تبرز فجوة تتطلب شجاعة الاعتراف، لا لكي نجلد الذات، بل لنضمن ديمومة المشروع وشرعيته الشعبية.
ما يُقلق اليوم ليس غياب الإنجاز، بل الخوف من الاكتفاء به. فكل الأحزاب التي لا تُراجع ذاتها، يُخشى أن تتحوّل إلى أطر مغلقة، تفقد تواصلها مع الجيل الجديد الذي لم يعايش السياسة، أو لم يُبنى خلال الثورة، أو لا يُدرك أهمية الأحزاب، ولكنه يطمح إلى عدالة وكرامة ووضوح رؤية. إننا بحاجة إلى سياسات تتجاوز الخطاب العاطفي، وتبني علاقة جديدة مع المواطن، علاقة قوامها الشفافية، والكفاءة، والتوزيع العادل للفرص، لا الولاءات الشخصية ولا إرث المواقع.
في هذا السياق، وكمنخرط في الشأن العام، وكغيري من المُهتمين بقراءة المشهد الكوردي داخل الوطن وفي الشتات، لابد من تقديم ما يُمكن من معرفة ورؤية، لا انطلاقاً من موقع النصح، بل من انتماء صادق لهموم هذا الحزب الذي لا يزال يدفع ثمن هويته في كل محطة. فالمؤمنون بالكلمة حين تكون مشروطة بالمسؤولية، تتحول لشريك حقيقي في العمل والتقديم وليس ضيفاً على هامشه.
إذا كانت التحديات القادمة أخطر من سابقاتها، فإن التعامل معها لا يمكن أن يتم بالأدوات القديمة وحدها. نحن بحاجة إلى فتح الدوائر، إلى استيعاب الأصوات التي لا تُصفق، بل تُنبه، وإلى تفعيل الشراكة مع من راكموا معرفة نوعية، ويمتلكون استقلالية فكرية قادرة على إضافة قيمة حقيقية. ليست هذه دعوة إلى المجاملة، بل إلى الاعتراف بضرورة وجود طبقة شابة تحليلية ومثقفة، تشكّل جسرًا بين المجتمع وصانع القرار، وتكون جزءاً منه.
إنّ المشروع الكردي، كما بدأ من الشعب، لا بد أن يعود إليه، عبر مؤسسات قوية، وشراكات واسعة، وأفق مفتوح أمام كل من يمتلك ما يُضيف. هذا هو رهان البقاء. وهذا هو رهان المستقبل.