الكرد والحوار مع دمشق: بين فرصة التفاهم وخطر إعادة إنتاج الاستبداد
بوزان كرعو
في تطور سياسي لافت، شُكّل وفد مشترك يضم مختلف الأحزاب الكردية السورية للتحاور مع الحكومة السورية المؤقتة بقيادة أحمد الشرع، في خطوة تثير الكثير من الترقُّب والأسئلة حول جدية الأطراف، وجدوى الحوار، والآفاق التي يمكن أن يفتحها أو يغلقها هذا المسار الجديد.
هذا التطوُّر لا يمكن عزلُه عن السياق الذي سبقه، لا سيما الاتفاق الذي جمع قائد قوات سوريا الديمقراطية، الجنرال مظلوم عبدي، مع الرئيس المؤقت أحمد الشرع، والذي مثّل تقاطعًا غير مسبوق بين مشروع الإدارة الذاتية ومشروع المعارضة. فهل يشكل هذا الاتفاق فرصة للوفد الكردي لبناء مسار تفاوضي ناجح؟ أم أننا أمام بداية لمسار يعيد إنتاج نماذج الفشل السابقة في ظل مركزية سياسية جديدة قد لا تختلف كثيرًا عن مركزية النظام البعثي المخلوع؟
مظلوم عبدي والشرع: اتفاق أولي أم منصة للثقة؟
إن الاتفاق الذي تم بين الجنرال مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع، ولو بقي في إطاره غير المُعلن بكامله، يحمل دلالات سياسية عميقة، أهمها:
- الاعتراف المتبادل، ولو ضمنيًا، بالدور الذي تلعبه قوات سوريا الديمقراطية في مستقبل البلاد.
- فتح نافذة للتنسيق الأمني والإداري، بعيدًا عن الاشتراطات الأيديولوجية المسبقة.
هذه الاتفاقية يمكن للوفد الكردي البناء عليها كمقدّمة إيجابية تعزز موقعه التفاوضي، وتُقدّم صورة براغماتية للقيادة الكردية، تسعى إلى الشراكة لا التصادم.
لكن في الوقت ذاته، ينبغي الحذر من تحويل هذه الاتفاقية إلى سقفٍ بديل عن الطموحات السياسية العادلة للكرد، إذ لا ينبغي للبعد الأمني أن يطغى على الحقوق القومية والثقافية والدستورية.
مركزية الدولة: هل تتغير الواجهة ويبقى النهج؟
رغم خطاب التغيير والتحديث الذي ترفعه الحكومة السورية المؤقتة، إلا أن بعض المؤشرات تثير القلق من إمكانية عودة خطاب المركزية المفرطة، بل وربما إعادة إنتاج أساليب النظام السابق بأسلوب جديد. بعض المواقف الصادرة عن شخصيات مقربة من الحكومة المؤقتة لا تزال تتحدث عن "وحدة القرار السياسي" و"سيادة الدولة المركزية"، ما يعيد إلى الأذهان العقيدة البعثية التي طالما أنكرت الوجود الكردي وشيطنت أي محاولة للامركزية.
وهنا يُطرح السؤال الكبير: هل نحن أمام مشروع وطني جديد، أم أمام نسخة معدّلة من الدولة الأحادية المركزية التي خبرها السوريون لعقود؟
بين الماضي والمستقبل: كيف ينجح الوفد الكردي؟
إن أي نجاح للمفاوض الكردي يتطلب منه:
1- توحيد الصفوف والرؤى ضمن الوفد، والاتفاق على مطالب جوهرية لا تخضع للمساومة، على رأسها:
- الاعتراف الدستوري بالهوية القومية الكردية.
- ضمان التعليم باللغة الأم.
- اللامركزية السياسية لا مجرد لامركزية إدارية سطحية.
2- الاستفادة من الاتفاق بين عبدي والشرع كورقة لبناء الثقة، ولكن دون الارتهان لها أو التقليل من الحاجة إلى ضمانات دستورية واضحة.
3- التحذير من العودة إلى المركزية تحت أي مسمى جديد، والتأكيد أن أي مشروع لا يعترف بالشراكة الكاملة والمتساوية لجميع السوريين، سيكون استمرارًا للاستبداد السابق، ولو تغيّرت الشعارات والأسماء.
4- التواصل مع القوى الوطنية السورية الأخرى، خصوصًا المكونات العربية والآشورية والتركمانية، لتشكيل جبهة وطنية ديمقراطية تطالب بسوريا تعددية.
خاتمة: لا بديل عن الشراكة
إن الكرد في سوريا، وبعد عقود من الإقصاء، لا يسعون إلى الانفصال ولا إلى فرض مشروعهم بالقوة، بل إلى شراكة وطنية عادلة تضمن حقوق الجميع. وعلى الحكومة المؤقتة أن تُثبت، بالأفعال لا بالأقوال، أنها تختلف فعلاً عن النظام الذي ثار عليه السوريون.
أما الوفد الكردي، فبين يديه فرصة نادرة: أن يصوغ مسارًا تفاوضيًا قائمًا على العقلانية، الشرعية الشعبية، والتحالفات الوطنية، مستفيدًا من التجارب السابقة ومن اتفاقيات أولية مثل تلك التي أبرمها مظلوم عبدي. فإما أن يكون هذا الوفد بداية لمستقبل جديد، أو جولة أخرى من الفشل والتهميش.