حق الكُرد في سوريا بالمطالبة باللامركزية وإدارة شؤونهم.. مقاربة قانونية وسياسية
باري جمعة
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، برزت مطالب مكونات المجتمع السوري، ومن بينها الكُرد، بإعادة هيكلة الدولة على أسس ديمقراطية تضمن التعددية والعدالة والمشاركة السياسية. وفي هذا السياق، يعدُّ حق الكرد في سوريا بالمطالبة باللامركزية وإدارة شؤونهم بأنفسهم بأنه يعكس موقفًا مشروعًا ضمن الإطار العام للحقوق السياسية والإنسانية، ويتوافق مع مبادئ الحكم الرشيد والتعددية. ومُنسجمًا مع المبادئ الدستورية الدولية، ومعايير حقوق الإنسان، وتحديات الواقع السياسي السوري.
أولًا: الإطار القانوني للمطالبة باللامركزية
اللامركزية هي أحد أشكال تنظيم السلطة في الدولة، وتستند إلى مبدأ تفويض الصلاحيات من الحكومة المركزية إلى إدارات محلية أو إقليمية منتخبة. وهي لا تتعارض مع وحدة الدولة، بل تعزز من كفاءتها وعدالتها ورغم أنه لا يوجد حظر دستوري صريح ضد اللامركزية السياسية مما يعني تبنيها يتطلب تعديلا دستوريا أو دستوراً جديداً
1- في القانون الدولي
تنص المادة (1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق الشعوب في "تقرير مصيرها"، بما في ذلك إدارة شؤونها بحرية. كما تعترف اتفاقيات الأمم المتحدة بحقوق الأقليات في الحفاظ على ثقافتها ولغتها ومؤسساتها الخاصة ويبنى على ذلك أن مطالب الكورد باللامركزية السياسية لا تتعارض مع القانون الدولي طالما لا تنطوي على الانفصال الإجباري أو خرق وحدة الأراضي السورية
2. في الدساتير المقارنة
نجد في العديد من دساتير الدول متعددة القوميات (مثل العراق، إسبانيا، الهند) تبنيًا للامركزية كأداة لضمان استقرار النظام السياسي وتوزيع السلطة بعدالة بين المكونات. نموذج إقليم كوردستان مثال واضح على ذلك.
ثانيًا: العدالة السياسية واللامركزية في الحالة السورية
سوريا دولة متعددة القوميات والثقافات، ومن بينها الشعب الكردي الذي يشكل جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني. وقد عانى الكرد لعقود من التهميش، والحرمان من الحقوق الثقافية والمدنية، وحتى من الجنسية السورية في بعض الحالات. حق الكرد في سوريا بالمطالبة باللامركزية وإدارة شؤونهم بأنفسهم يعكس عدة مستويات تدعم هذا الرأي:
1. اللامركزية كخيار ديمقراطي
اللامركزية لا تعني الانفصال، بل هي شكل من أشكال الإدارة يتيح لمكونات المجتمع المشاركة الفعالة في اتخاذ القرار على المستوى المحلي. وهذا مفيد في الدول المتعددة القوميات أو الثقافات، مثل سوريا.
2. الهوية القومية والثقافية
الكرد في سوريا يشكلون مكونًا تاريخيًا وثقافيًا له لغته وهويته الخاصة. من حقهم – كغيرهم من مكونات الشعب السوري – الحفاظ على ثقافتهم، ولغتهم، وممارسة خصوصيتهم القومية.
3. السوابق الدولية
العديد من الدول تتبنى نظمًا لا مركزية ناجحة، مثل سويسرا، وألمانيا، والعراق (إقليم كردستان). وقد أدت هذه النماذج إلى تعزيز الاستقرار، وتقليل النزاعات، وتحقيق نوع من العدالة التوزيعية.
4. سياق الحرب السورية
بعد عام 2011، ومع انسحاب النظام من مناطق واسعة، تولت المجتمعات المحلية في بعض المناطق إدارة شؤونها بأنفسها. هذه التجربة أظهرت قدرة هذه المكونات على تنظيم نفسها، وتقديم نموذج مختلف للحكم المحلي.
5. الدستور المستقبلي لسوريا
أي حل سياسي مستدام في سوريا يتطلب دستورًا جديدًا يأخذ بعين الاعتبار التنوع القومي والديني والطائفي، ويمنح صلاحيات واسعة للإدارات المحلية، بما في ذلك في المناطق ذات الغالبية الكردية.
ثالثا - معالجة الأزمة السورية يتطلب:
١- اللامركزية كحل للصراع
تُعد اللامركزية من أبرز الحلول السياسية للصراعات التي تأخذ بعدًا قوميًّا أو طائفيًّا. وقد أثبتت التجربة أن المركزية الشديدة تُفاقم الإقصاء وتضعف المشاركة السياسية، بينما تسمح اللامركزية بإشراك المكونات المحلية في صنع القرار، وبالتالي تعزيز الاستقرار.
٢- في أفق سوريا المستقبل
لا يمكن إعادة بناء سوريا على أساس مركزي شمولي، بل لا بد من دستور جديد يعترف باللامركزية الإدارية والسياسية، ويضمن التمثيل العادل لجميع المكونات، ويُقرّ بحقوق الكرد كشعب له لغته وثقافته ومؤسساته، ضمن دولة موحدة تقوم على المواطنة والحقوق المتساوية.
نختتم بالقول بأن المطالبة الكردية باللامركزية لا تهدف إلى التقسيم أو الانفصال، بل هي دعوة لتأسيس دولة سورية جديدة، ديمقراطية، تعددية، لا مركزية، تتسع لجميع أبنائها.
من منظور قانوني وسياسي هذا المطلب مشروع، بل ضروري، لتحقيق السلام والاستقرار في سوريا الجديدة.