سوريا لا تُختزل بهوية واحدة: نقدٌ لخطاب الحكومة السورية المؤقتة في قمة بغداد
د. كاميران حاج عبدو
في ١٩ أيار-مايو ٢٠٢٥، عقدت القمة العربية في بغداد وسط أجواء سياسية إقليمية متوتّرة، وبحضور عربي فاعل ناقش ملفات عدّة، من بينها الأزمة السورية المستمرة منذ أربعة عشر عاماً. وفي هذا السياق، ألقى وزير خارجية الحكومة السورية المؤقتة، السيد أسعد الشيباني، كلمة أثارت جدلاً واسعاً، حيث أعادت إنتاج الخطاب التقليدي القائم على الانتماء الأحادي والإقصاء، دون أي رؤية وطنية شاملة تُنصف التعدد، وتستجيب لتعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي في سوريا.
ورغم بعض التلميحات التي بدت وكأنّها موجهة لدغدغة مشاعر المكوّنات المختلفة للشعب السوري، فإن مضمون الخطاب بقي أسير سردية تقليدية تُقصي التنوع السوري. لقد تجاهل الوزير عمداً الهتافات التي صدحت بها حناجرُ السوريين في عام ٢٠١١، عندما طالبوا بالحرية والكرامة والعدالة لجميع السوريين، بغضِّ النظر عن ديانتهم، أو انتمائهم الإثني، أو جنسهم، قبل أن تُختطف الثورة على يد الإسلام السياسي وتُشوَّه بفعل القوى المتصارعة داخلياً وخارجياً.
التمسُّك بحصرية الهوية العربية لسوريا لا يعكس واقعها التاريخي والثقافي، بل يُقصي بشكل واضح مكونات أصيلة من النسيج السوري، مثل الكُرد والسريان-الآشوريين، الذين ساهموا عبر آلاف السنين في تشكيل فسيفساء سوريا المتنوعة. سوريا لم تكن يوماً أحادية الدين أو القومية، ولن تكون كذلك. هي وطن لا يكتمل إلا بجميع أبنائه، على اختلاف هوياتهم وانتماءاتهم.
وقد أثبت الواقع أن إنكار هذا التعدُّد ليس إلا وصفة للانقسام والتفكك. فلا يمكن تحقيق وحدة وطنية حقيقية من دون مساواة فعلية، ولا يمكن بناء دولة مستقرة من دون الاعتراف الكامل بحقوق جميع المكونات، في لغاتهم وثقافاتهم وهوياتهم. إن الوحدة لا تعني الإلغاء، بل تقوم على الاعتراف، والمشاركة، والعدالة.
ومن بين النقاط المثيرة للجدل في كلمة الوزير، كانت إشادته بما وصفه بـ«الدور التركي الإيجابي» في الأزمة السورية. وهي إشادة تُثير الاستغراب، نظراً لكون تركيا لا تزال تحتل أجزاءً من الأراضي السورية في الشمال، ما يفاقم معاناة السوريين، ويعرقل فرص الوصول إلى حل سياسي وطني شامل. هذا التناقض يكشف عن غياب رؤية استراتيجية مستقلة تُقدّم مصلحة السوريين على أية تحالفات إقليمية، ويعيد إلى الأذهان تجربة النظام السوري في ارتهانه لمحور طهران.
سوريا التي نحلم بها لا تُختزل في هوية واحدة، بل هي دولة لجميع أبنائها: للمسلمين والمسيحيين والإيزيديين، للعرب والكرد والسريان-الآشوريين وغيرهم، رجالاً ونساءً على قدم المساواة. هذه هي سوريا التي تستحق أن تُبنى من جديد؛ سوريا حرة، تعدُّدية، ديمقراطية، وذات سيادة.
إن خلاص سوريا لن يتحقق بخطابات الإقصاء القومي والتكفير الديني والطائفي، بل بتكاتف جميع مَنْ يؤمنون أن مستقبل البلاد لا يُبنى إلا على أساس الاعتراف بالتعدُّد القومي والديني، والالتزام بعقد وطني جديد يبنى على الحقائق التاريخية والجغرافية لسوريا. فالمطلوب اليوم هو تحالف وطني عابر للهويات الضيقة، يضمُّ كل من تعزّ عليه سوريا، ويدفع باتجاه تأسيس دولة ديمقراطية مدنية لامركزية تضمن الحرية والمساواة لجميع أبنائها، أفراداً وجماعات، وتُخرج البلاد من دوامة العنف والانقسام نحو أفق سياسي جديد يليق بتضحيات السوريين.