الإرهاب الأبيض

الإرهاب الأبيض

دوران ملكي

في خضم مواجهة الإرهاب الإسلامي من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية في أفغانستان والشرق الأوسط، برزت أشكال متعددة وثقافات إرهابية مختلفة. فالإرهاب ليس لونًا واحدًا، بل له ألوان متعددة، ولكل لون تياره الخاص. فمنها ما يدّعي توطيد الحكم الإسلامي في زمان ومكان محددين، وتطبيق الشريعة الإسلامية كنظام حكم وتنظيم للمجتمع، ويُعتبر استخدام جميع الوسائل، سواء أكانت سياسية أو عسكرية، أمرًا جائزًا لتحقيق الهدف المنشود، بل ولا يُستبعد استخدام الأساليب البراغماتية لتحقيق هذا الهدف.
هناك تيار آخر يؤمن بتصدير الثورة، ويعتبر أن النجاح في زمان ومكان ما ما هو إلا خطوة على طريق استكمال "المهمة السامية"، وهي إقامة "حكم الخلافة". هذا التيار لا يؤمن بالهوية الوطنية للمجتمعات البشرية، ولا بالحدود الجغرافية، ويعتبر أن العدو واحد أينما كان، بصرف النظر عن جنسه أو دينه أو المبادئ التي يؤمن بها، ويرى أن مواجهته واجب ديني، وكل الوسائل مشروعة في سبيل ذلك.
وقد أدرك الحلف الدولي لمكافحة الإرهاب الخطأ الكبير الذي وقع فيه عندما واجه تنظيم القاعدة وحكومة طالبان معًا، ما أدى إلى تصعيد المعارك في المناطق الجبلية الوعرة، وتكبّد خسائر فادحة في صفوف الحلف. ولم تتوقف تلك المواجهة حتى بعد مقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وانحسار التنظيم عالميًا، كما لم يتناقص الدعم الشعبي لحركة طالبان، بل زادت انتصاراتها يومًا بعد يوم، رغم الدعم الكبير الذي كانت تتلقاه الحكومات الأفغانية المتعاقبة من الحلف الدولي.
عمدت الولايات المتحدة الأمريكية إلى التعامل مع حركة طالبان ضمن ضمانات محددة، تقضي بعدم السير على خطا تنظيم القاعدة، وعدم تهديد الدول المجاورة والشعوب الأخرى، مقابل الانسحاب من أفغانستان، والسماح لطالبان بتوطيد الحكم الإسلامي. وبموجب هذه التفاهمات، سيُصار إلى التعامل مع طالبان وفق تعهداتها، مع الأخذ بعين الاعتبار التزامها بمواجهة تنظيم داعش الإرهابي، الذي بدأ بالتشكل على أنقاض تنظيم القاعدة، وبهذا، استطاعت الولايات المتحدة تحييد حركة طالبان، وتفريغ الضغط الكامن الذي كان يولّد الإرهاب.
بعد نجاح تجربة طالبان من وجهة النظر الغربية، سعى الحلف إلى تطبيقها في الشرق الأوسط، خاصة أن الأرضية باتت مهيأة، إذ أعلن أبو محمد الجولاني انسحابه من تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أيمن الظواهري، وعمل على توحيد عدد من الفصائل الإسلامية المعارضة لنظام بشار الأسد تحت مسمى هيئة تحرير الشام. كما أن صلاحية بشار الأسد قد انتهت بفعل سيطرة إيران على القرار السوري، إلى جانب وجود خلاف بين قطبي الإرهاب في سوريا. وعليه، فتحت الولايات المتحدة قنوات اتصال مع الجولاني، وبدأت بتهيئته لإسقاط بشار الأسد، وطرد إيران من سوريا، ومواجهة ما يُعرف بـ الإرهاب الأسود.
وكان استثمار الحلف في هيئة تحرير الشام ثمرة تعاون بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وتركيا، وجرى الاتفاق بضماناتهم على تحويل الهيئة من "منظمة إرهابية سوداء" إلى بيضاء، بحيث تكون قادرة على التعامل مع مختلف المكونات الدينية والعرقية، بل وقادرة على التطبيع مع إسرائيل، مقابل توطيد حكم إسلامي سني في سوريا، مع تعهد الحكومة الجديدة بملاحقة فلول داعش في سوريا.
استطاعت الولايات المتحدة، وبدعم وضمانات عربية وتركية، تقييد الحركات الإرهابية البيضاء، وفصلها عن الإرهاب الأسود، بل ومواجهته بقوة، مما أحدث انقسامات داخل تيارات الحركة المختلفة، ودفع إلى إمكانية انسحاب المقاتلين الأجانب منها والقضاء عليهم، خاصة بعد جنوح أحمد الشرع نحو إسرائيل والغرب – كما يزعم المتطرفون المنتمون إلى الفكر الجهادي السلفي. وربما تؤدي هذه الانشقاقات إلى تقوية تنظيم داعش، إلا أن حجم الدعم الدولي لحكومة أحمد الشرع سيزداد أيضًا. غير أن هذا الدعم سيبقى محدودًا، ولن تُرفع العقوبات إلا بعد تنفيذ الشروط الغربية والإملاءات على حكومة الشرع، وعلى رأسها الاتفاقات الإبراهيمية مع إسرائيل، وضمان حقوق مكونات الشعب السوري.
تحت شعار لا يفلّ الحديد إلا الحديد، عمد الغرب إلى ضرب الإرهاب عبر تفكيكه من الداخل، واستخدم الإرهاب الأبيض لضرب الإرهاب الأسود، دون إطلاق رصاصة واحدة، وسيجبر أكثر التيارات تطرفًا على التوقيع مع إسرائيل، ليُزيح هذا العبء عن كاهل الحكومات الوطنية القادمة.