الهوية التي تأخرت في الظهور: تأملات في الوجود الكردي السوري ومصيره بعد الأسد

الهوية التي تأخرت في الظهور: تأملات في الوجود الكردي السوري ومصيره بعد الأسد

حسين محمد

ما بين الجغرافيا التي تتهجّى أسماءها بلغات متعددة، والتاريخ الذي كُتب دائمًا بأقلام الغالبين، ظلّ الكردي في سوريا يحفر حضوره في جدار الصمت. ليس الكردي مجرّد فردٍ من أقلية، بل حامل لذاكرة محرومة، وهوية مؤجلة، وكينونة مرفوضة في سردية وطن لم يُعرّف نفسه إلا من خلال نفي الآخر. هكذا كان الحال في ظل السلطة البعثية، وهكذا انفتحت الأبواب على أسئلة جديدة بعد تفكك تلك السلطة. فماذا عن المستقبل؟ هل يستطيع الكردي أن يخرج من ظله إلى ضوء الدولة؟

أولاً: الكرد في زمن البعث — وجود تحت القيد

في النظام الذي حكم سوريا لعقود، كانت الدولة آلة صهر لا آلة احتضان. اللغة الواحدة، الهوية الواحدة، الحزب الواحد، الزعيم الواحد. أما المختلف، فإما أن يُعاد تشكيله وفق القالب، أو يُترك في الظل. والكردي اختير له الظل.
سياسيًا، لم يكن وجود الكُرد في مؤسسات الحكم إلا استعراضًا شكليًا، غايته التجميل لا التمثيل. لم يكن للكردي رأي في السياسات المصيرية، ولا نصيب في التشكيل السيادي، سوى بعض المقاعد الرمزية التي تؤكد حضور الدولة لا حضور المكوّن.
ثقافيًا، كان التجريد تامًا: حُظرت اللغة، صودرت الذاكرة، أُبيدت الأسماء، وأُخضع كل تعبير عن الذات الكردية لرقابة الحديد والنار. فالكردي كان موجودًا جسديًا، لكنه غائب قانونيًا، صامتًا لغويًا، ومؤجلًا تاريخيًا.
اجتماعيًا، تم استهداف النسيج الكردي بمشاريع ديمغرافية، أبرزها «الحزام العربي» الذي حاول نزع الجغرافيا عن السكان كما نُزعت عنهم الجنسية. فكان النفي مكانيًا وقانونيًا، في آنٍ معًا.

ثانيًا: ما بعد المركز — التمدد داخل الفراغ

حين بدأت الدولة المركزية تتفكك بعد 2011، لم يكن الكردي السوري مجرد متفرج على سقوط القديم، بل بدأ في بناء الممكن. في غياب سلطة الدولة، ووسط هشاشة الخيارات، ظهرت للمرة الأولى ملامح مشروع اجتماعي كردي، لا يطالب بالانفصال، بل بالاعتراف.
في السياسة، ظهر تنظيم مجتمعي جديد، يقوم على المجالس والمشاركة من القاعدة إلى القمة. استُبدل منطق المركزية بمنطق التوافق. وتحوّلت المناطق ذات الغالبية الكردية إلى مختبر سياسي لتجريب بدائل عن الدولة الشمولية.
في الثقافة، انفجرت اللغة من القيد، وعادت لتُدرّس في المدارس، وتُغنّى في الشوارع، وتُكتب في الكتب. لم تعد الثقافة الكردية مقموعة، بل أصبحت أداة لبناء الذات الجماعية.
في الإدارة، بدأت تتشكل أنوية لحكم ذاتي محلي، يُدير الحياة اليومية للسكان: الأمن، التعليم، القضاء، والخدمات. وكان هذا أقرب ما يكون إلى تجريب «كينونة ممكنة»، في ظل غياب الدولة لا على أنقاضها.

ثالثًا: إلى أين؟ — سؤال المستقبل بعد الأسد
لكن السؤال الفلسفي الأعمق يظل معلقًا: ما مصير الكردي في سوريا بعد الأسد؟ هل ستعيد الدولة السورية بناء نفسها على الأسس القديمة، أم أن الخراب سيفرض شروطًا جديدة؟ هل سيكون للكُرد دورٌ في صياغة الدستور الجديد، أم سيُعاد تهميشهم بعد أن انتهى دورهم كـ«قوة أمر واقع»؟

إمكانية الاعتراف
المستقبل الكردي في سوريا سيكون مرهونًا بإجابتين: الأولى، من الدولة، هل تعترف بالتعدد، لا كشعار بل كمؤسسة؟ هل تتخلى عن وهم الهوية الأحادية؟ والثانية، من الكرد أنفسهم، هل يستطيعون الحفاظ على تجربتهم دون الوقوع في فخ الانعزال أو التماهي مع مشاريع إقليمية أكبر من طموحاتهم؟ هل يمكنهم أن يكونوا جزءًا من سوريا دون أن يذوبوا فيها؟

السيناريو الممكن
إنّ المشروع الكردي في سوريا لن يُكتب له الاستمرار إلا إذا تلاقى مع مشروع سوري وطني شامل، يعترف بجميع المكوّنات، ويعيد صياغة الدولة على أسس المواطنة، لا القومية الضيقة. الدولة التي تُقصي الكرد، ستبقى دولة مأزومة، هشّة في بنيتها، ومعطوبة في روحها. أما الدولة التي تعترف بالكُرد، فإنها لا تمنحهم «امتيازًا»، بل تستعيد شرطها الأخلاقي كدولة.

خاتمة: الوجود بوصفه مقاومة
إنّ مستقبل الكُرد في سوريا ليس مجرد تسوية سياسية، بل معركة وجودية: معركة من أجل الاعتراف، من أجل اللغة، من أجل التاريخ، من أجل الحق في أن يكون الإنسان ما هو عليه دون خوف. إن ما يطلبه الكردي ليس أكثر من أن يكون جزءًا من وطن لا يُطالبه بالتنازل عن نفسه كي يُمنح مكانًا. فهل تملك سوريا، ما بعد الأسد، الشجاعة لتصالح نفسها مع المختلف؟ وهل يملك الكردي الصبر والحكمة ليثبت ذاته دون أن يفقد بوصلته؟
ذلك هو الامتحان الفلسفي الحقيقي لسوريا القادمة: هل تكون وطنًا… أم تظل مجرد دولة