المعركة التي لا تُرى

المعركة التي لا تُرى

تورين شامدين

في زمن باتت فيه السياسة مسرحاً للإعلام، وأصبح التفاعل الافتراضي يُقدَّم على الفعل الميداني، تواجه الحركات والأحزاب معضلة وجودية عميقة فقدان البوصلة التنظيمية.
لقد تحوّل الخطاب السياسي إلى استعراض مكرّر، تتقدمه الصور والشعارات، وتتأخر عنه البرامج والبُنى. وبدل أن تكون المؤسسات الحزبية مختبرات للقرار وتفاعل الأفكار، تحولت لدى الكثيرين إلى هياكل شكلية تُدار من الأعلى، وتُجمّل من الخارج، لكنها تعاني وهنا داخلياً خطيراً. بهذا المعنى، ليست المعركة الحقيقية في الشعارات والصور، بل في إعادة بناء العمق التنظيمي.
إن قوة أي حزب أو حركة لا تُقاس بعدد الشعارات التي يرفعها، ولا بعدد المتابعين على منصاته، بل بقدرته على التنظيم، وبنيته الداخلية، ومتانة علاقته بقواعده. فالخطابات الحماسية قد تصنع جمهورًا لحظياً، لكنها لا تصنع تغييراً حقيقياً. والصور قد تُعجب المتابعين، لكنها لا تُنجز الثورات.
حين تنشغل الأحزاب بالواجهة الإعلامية، تهمل الجبهة الأخطر جبهة التنظيم، التي تُبنى بهدوء بعيدًا عن الأضواء، حيث تُصنع الكوادر، وتُنسج العلاقات، وتُتخذ القرارات، ويُصاغ المشروع.
الرهان ليس على من يتكلّم أكثر، بل على من يبني أكثر. على من يربّي الأعضاء على الانضباط، على من يفتح النقاشات الداخلية بشجاعة، على من يُنتج ويُقيّم، لا على من يُردّد.
تجربة غرب كوردستان، بما حملته من زخم إعلامي هائل، تُعد نموذجاً صارخاً لهذا التناقض. لقد أبهرت العالم بصورها، لكنها لم تُترجم هذا الزخم إلى مؤسسات داخلية متماسكة، أو إلى مشروع سياسي قابل للاستمرار. وبفعل التمركز، وغياب المحاسبة، والانغلاق على الذات، باتت هشاشتها التنظيمية أخطر من أي تهديد خارجي.
أما باقي القوى الكوردية، وخاصة ذات التاريخ العريق والتجربة العميقة، فلم تكن بأفضل حال. إذ عانت من جمود تنظيمي، وبيروقراطية قاتلة، وضعف في تجديد النخب، مما جعلها عاجزة عن استيعاب المتغيرات أو جذب الطاقات الجديدة. فكم من حزب كوردي لا يعرف أعضاؤه لوائحه الداخلية؟ وكم من قيادي لم يُحاسب منذ سنوات؟ وكم من شاب أو شابة طُردوا من الهامش لأنهم طرحوا سؤالا مزعجا؟
لطالما شدّد المفكّر الإيطالي أنطونيو غرامشي على أن التنظيم هو ساحة الوعي والصراع الحقيقي. فالحركات التي تُهمل بناء "المثقف العضوي" داخلها، وتتجاهل تأهيل كوادرها، تفقد قدرتها على قيادة المجتمع. وتجربة نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا، أو حتى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية في مراحلها التأسيسية الأولى، بيّنت كيف أن التنظيم الصلب والنقاش الداخلي الصريح هو ما يصنع ديمومة المشروع، لا الزخم الإعلامي فقط.
التنظيم هو معركة الوعي والاستمرار. وفي ظل هذا الواقع، تغدو العودة إلى التنظيم واجباً استراتيجياً لا خياراً ظرفياً. علينا أن نُعيد الاعتبار للمؤسسة، للفكرة المنظمة، للقرار الجماعي، وللهيكل القابل للتجديد والتقييم. فالحركات التي لا تراجع ذاتها، مصيرها الجمود. ومن لا يُحاسب نفسه، سيحاسبه التاريخ.
المرحلة التي نعيشها، خصوصاً ككورد، لا تحتمل المزيد من الأخطاء. المشروع القومي، والحقوق المغتصبة، والدماء التي سُفكت، كلها تُحتّم علينا مسؤولية البناء من العمق، لا التباهي بالسطح.
والبناء الحقيقي يبدأ بإطلاق ورش مراجعة داخلية مفتوحة لكل حزب أو تيار، تعيد تقييم الهياكل، والبرامج، وآليات اتخاذ القرار.
تفعيل الأنظمة الداخلية، وتحديث اللوائح لتواكب المتغيرات، وتضع حدا للإدارة المزاجية.
بناء مدارس سياسية وكوادرية تُخرج جيلاً جديداً من المؤمنين بالمشروع لا بالأشخاص، وإرساء ثقافة المحاسبة الدورية للقادة والمؤسسات على حد سواء، بمعايير معلنة وشفافة، وتشجيع التعددية الداخلية، والفكر النقدي باعتبارهما عنصر قوة لا تهديدا للانضباط.
لا بد من تبني استراتيجيات تطوير شاملة تشمل تعزيز الشفافية والمشاركة الجماعية في صنع القرار، لضمان تمثيل أوسع وأكثر عدالة.
توظيف التكنولوجيا بشكل ذكي لدعم العمل التنظيمي الحقيقي وليس فقط للأغراض الإعلامية، بما يسهم في تقوية التواصل الداخلي وتسهيل آليات الرقابة والمتابعة.
بناء تحالفات استراتيجية داخلية وخارجية تدعم استدامة المشروع السياسي وتوسيع نطاق تأثيره، بعيدا عن الانغلاق والحسابات الضيقة.

نهاية القول:
أيها القادة، أيها الفاعلون، أيها المؤمنون بقضية شعبكم، عودوا إلى التنظيم. عودوا إلى الفكرة التي بدأت منها الحكاية. جددوا أرواح أحزابكم. افتحوا نوافذ النقد والمحاسبة. ادعموا الكوادر المؤهلة، لا الكوادر المطيعة. واستثمروا في الشباب، في النساء، في الفكر، في النزاهة.

فالمعركة القادمة لن تُحسم أمام الكاميرا، بل في صمت المكاتب، في دقّة اللوائح، في عدالة الهياكل. فما لا نراه في الصور... هو ما يحدد مصيرنا.