زيارة رئيس حكومة إقليم كوردستان إلى واشنطن وأبعاد استراتيجية

زيارة رئيس حكومة إقليم كوردستان إلى واشنطن وأبعاد استراتيجية

أحمد آلوجي

شهدت الأسابيع الماضية زيارة مهمة لوفد رفيع من حكومة إقليم كوردستان إلى الولايات المتحدة، ترأسه رئيس الحكومة مسرور بارزاني، حملت في طياتها أبعادًا اقتصادية وسياسية لافتة. لم تكن الزيارة مجرد خطوة عادية، بل جاءت في توقيت حساس إقليميًا ومحليًا، وسط تصاعد الخلافات بين أربيل وبغداد، والتوترات المستمرة في سوريا.
في واشنطن، وقّع الوفد الكردي عقودا ضخمة مع شركتين أمريكيتين (HKN وWesternZagros) لتطوير حقول النفط والغاز في السليمانية. هذه العقود لا تعني فقط استثمارًا اقتصاديًا، بل تُعد رسالة سياسية بأن الإقليم يسعى لتعزيز شراكته الاستراتيجية مع واشنطن، دون الرجوع الكامل لبغداد، ما أثار ردود فعل غاضبة من الحكومة العراقية التي اعتبرت هذه العقود "غير قانونية".
الوفد التقى بمسؤولين أمريكيين كبار، بينهم ممثلون عن وزارة الخارجية والطاقة، وبحثوا ملفات عدة منها أمن الطاقة، العلاقة بين أربيل وبغداد، والتنسيق العسكري، خصوصًا فيما يتعلق بإصلاح وتوحيد قوات البيشمركة. هذه اللقاءات أكدت أن واشنطن لا تزال ترى في إقليم كوردستان شريكًا موثوقًا في منطقة مليئة بالمشاكل و الصراعات.
تزامنت زيارة الوفد الحكومي إلى أمريكا مع زيارة رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني إلى إيران. هذا التوازي في الزيارات يؤكد أن كوردستان تحاول الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها بين واشنطن وطهران، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي بين قوتين متنافستين في المنطقة.
رغم أن الملف السوري لم يُذكر صراحة في الزيارة، فإن التحركات الأمريكية في شرق الفرات، وتعاونها مع قوات سوريا الديمقراطية، توحي بأن واشنطن تنسق ملفات المنطقة بطريقة مترابطة.كما أن دعم إقليم كوردستان للجانب الكردي السوري حيث تجلى ذلك في الكونفرانس الأخير، قد يجعل من الزيارة أداة لتعزيز الحضور الكردي المشترك في أي تسوية مستقبلية.
كما أن هذه الزيارة الأخيرة لوفد حكومة إقليم كوردستان إلى الولايات المتحدة تثير تساؤلات حول ارتباطها غير المباشر بقرار رفع جزئي للعقوبات المفروضة على سوريا. فعلى الرغم من غياب التصريحات الرسمية التي تربط الحدثين، إلا أن التوقيت المتزامن يعكس ديناميكية دبلوماسية قد تتعدى الظاهر. يُرجّح أن تكون الزيارة جزءًا من مشاورات أوسع تشمل ترتيبات إقليمية جديدة، تتقاطع فيها مصالح كوردستان، وواشنطن، وبعض الأطراف السورية. في هذا السياق، يبدو أن الولايات المتحدة تسعى لإعادة صياغة سياستها في الشرق الأوسط، مع مراعاة توازن القوى المحلية والدولية، مما يفتح الباب أمام احتمالات تقارب مدروس.
زيارة حكومة الإقليم إلى واشنطن تتجاوز الملفات الاقتصادية، فهي جزء من تحرك دبلوماسي أوسع يعكس رغبة أربيل في لعب دور أكبر على مستوى العراق وسوريا. وبينما تحاول بغداد الحد من هذا الدور، تسعى كوردستان إلى ترسيخ نفسها كحليف محلي مهم في السياسات الأمريكية الإقليمية، خاصة في ظل استمرار الوجود الأمريكي في سوريا وتعقيدات الملف الكردي هناك.