نحو جبهة وطنية سورية في مواجهة التطرُّف المركزي
بوزان كرعو
على مدى عقود طويلة، شهد النسيج الوطني السوري محاولات متكرّرة وممنهجة لتفكيك بنيته المتعددة والمتنوعة، من خلال سياسات مركزية متشددة تهدف إلى فرض هوية موحّدة على مجتمع غني بثقافاته وأديانه وقومياته. هذه السياسات لم تكن وليدة المصادفة، بل جاءت نتيجة خطة محكمة لتعزيز هيمنة السلطة على حساب التنوع الذي كان يشكل ثروة حقيقية للبلاد. مع تدهور الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في سوريا، وتعقّد الأزمة منذ اندلاع الثورة، أصبح من الضروري إعادة قراءة المشهد الوطني برؤية جديدة تضع التعدُّدية والاعتراف المتبادل بين مكوّنات المجتمع في صلبها، بدلاً من إنكارها أو تحجيمها. وهذا يشكل الأساس لأي مشروع وطني شامل قادر على تحقيق التغيير الحقيقي وبناء دولة مدنية ديمقراطية.
«تسنين المجتمع والدولة في ظل الثورة السورية»
بدأت فكرة "تسنين المجتمع" بالظهور بشكل جلي مع تصاعد نفوذ الفصائل الإسلامية المتطرفة خلال الثورة السورية، حيث سعت هذه الجماعات إلى فرض رؤيتها الدينية الصارمة على المناطق التي سيطرت عليها، مما أدى إلى تهميش كل المكونات الثقافية والدينية الأخرى في تلك المناطق. هذا المنحى المتطرّف لم يكن محصوراً فقط في فرض قواعد دينية ضيقة، بل شمل أيضاً محاولة إعادة تشكيل النسيج الاجتماعي والسياسي وفق أيديولوجيات تسعى إلى توحيد الهوية تحت مظلة مذهبية واحدة.
مع هروب النظام السوري بقيادة بشار الأسد من بعض المناطق وتسارع سقوط سيطرة حزب البعث في أجزاء واسعة من البلاد، أصبح الفراغ السياسي فرصة استغلتها هيئة تحرير الشام وحلفاؤها لفرض "تسنين الدولة" من خلال السيطرة على مؤسسات الدولة، محولة إياها إلى أدوات لتطبيق أجندات متشددة. بهذا الشكل، تحولت الدولة والمجتمع السوري إلى ساحة صراع بين مشاريع إقصائية متطرفة ومطالب التنوع والحرية، مما عمّق الانقسامات وزاد من تعقيدات الأزمة السورية.
صراع وجودي بين مشاريع متناقضة
الصراع في سوريا اليوم لا يقتصر على خلافات سياسية أو نزاعات إقليمية فحسب، بل هو صراع وجودي بين مشروعين مختلفين جذرياً. المشروع الأول يعتمد على مركزية متطرّفة، يفرض هويته بالقوة باسم الدين أو القومية أو الطائفة، ويستثني من يختلف معه فكرياً أو ثقافياً.
أما المشروع الثاني، فهو رؤية مستقبلية لسوريا ديمقراطية تعددية، تحترم حقوق الإنسان، وتؤمن بمبادئ المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية. هذا الصراع لا يتعلق فقط بالسيطرة على السلطة، بل بمصير الهوية الوطنية نفسها، وبكيفية بناء سوريا جديدة تعكس واقعها الحقيقي وتضمن للجميع حقوقهم.
ضرورة تحالف وطني شامل
لمواجهة هذا المشروع المركزي المتطرف، لا يكفي التنديد أو الاحتجاج الفردي. فالأمر يتطلب بناء تحالف وطني شامل يجمع كلّ المكوّنات التي عانت من التهميش والاضطهاد عبر تاريخ البلاد. يجب أن تشمل هذه الجبهة الكرد، والآشوريين، والسريان، والعلويين، والدروز، والإسماعيليين، فضلاً عن القوى الوطنية الديمقراطية التي تؤمن بسوريا كدولة مدنية متعددة.
هذا التحالف يجب أن يكون منصة مشتركة للعمل على إعادة صياغة العقد الاجتماعي السوري، ويكون بمثابة قوة ضغط سياسية واجتماعية تسعى إلى بناء دولة تحترم التعددية وتكفل مشاركة عادلة في الحكم.
دور الكرد في المشروع الوطني
يتمتع الكرد بتاريخ طويل من النضال والمقاومة ضد محاولات القمع والتهميش، بدءاً من تأسيس الدولة السورية وحتى الثورة التي شهدتها البلاد في العقد الأخير. هذا التاريخ الطويل منحهم خبرة كبيرة في التنظيم والعمل الجماعي، إضافة إلى تجارب حقيقية في الإدارة الذاتية والعمل السياسي والاجتماعي. بفضل هذه الخبرات، يمكن للكرد أن يلعبوا دوراً محورياً في تأسيس مشروع وطني ديمقراطي شامل، يكون نموذجاً للتعايش والتعددية. من خلال قيادتهم للمقاومة ضد التطرف والإقصاء، يثبت الكرد أنهم شريك أساسي لا غنى عنه في أي رؤية مستقبلية لسوريا تعددية وسلمية.
ختاماً: لم يعد تشكيل جبهة وطنية سورية عريضة خياراً بل ضرورة ملحة لمواجهة الاستبداد وتجذير الديمقراطية في البلاد. هذه الجبهة يجب أن تعكس التنوع الثقافي والعرقي والديني في سوريا، وتبني أسساً متينة لعقد اجتماعي جديد يُلزم الجميع بالمساواة والاحترام المتبادل. من خلال مواجهة السياسات التهميشية والتمييزية، يمكن تحقيق وحدة وطنية حقيقية لا تقوم على فرض الهوية أو السيطرة، بل على التشارك والتعددية. هذا المسار يتطلّب شجاعة سياسية ووضوحاً في الرؤية، وحرصاً على تجاوز الخلافات القديمة من أجل بناء مستقبل مستقر ومزدهر لكل السوريين.