فرصة ما بعد العقوبات: متطلبات تهيئة بيئة استثمارية في سوريا
محمد أمين أوسي
مع إعلان رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية عن سوريا في مايو 2025، وفي أعقاب قرار مفاجئ اتّخذته إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب خلال فترة ولايته الثانية، تدخل سوريا مرحلة جديدة تحمل في طياتها آمالًا وتحديات كبيرة.
إن عودة سوريا إلى الساحة الاقتصادية الدولية تفتح الباب أمام تدفّق الاستثمارات وإعادة الإعمار، لكن نجاح هذه المرحلة يعتمد بالدرجة الأولى على قدرة الدولة السورية على تهيئة بيئة استثمارية حقيقية ومستدامة.
السؤال المركزي الذي يطرحه المستثمرون اليوم هو: هل سوريا جاهزة داخليًا لاستقبال الاستثمارات؟ وللإجابة عن هذا السؤال، يجب الوقوف عند المتطلبات الجوهرية التي لا غنى عنها لخلق بيئة جاذبة وآمنة للاستثمار.
1. الاستقرار السياسي والأمني: حجر الأساس لأي اقتصاد ناجح.
الاستثمار بطبيعته يكره المخاطرة، وخاصة المخاطر السياسية والأمنية. لذا فإن أول وأهم شرط لتهيئة بيئة استثمارية في سوريا هو تحقيق الاستقرار السياسي الفعلي، وليس فقط الظاهري. يتطلب ذلك إطلاق حوار وطني شامل بين مختلف المكونات السورية، والاتفاق على رؤية سياسية جامعة تقود البلاد نحو نظام تعددي ديمقراطي.
أما على المستوى الأمني، فيتوجب على الدولة توحيد الأجهزة الأمنية تحت مظلة سلطة مدنية، وإنهاء دور الميليشيات غير النظامية، وفرض سيادة القانون في جميع المناطق. الأمن ليس فقط حماية من الإرهاب، بل يشمل حماية الحقوق، وضمان عدم تدخل الأجهزة الأمنية في النشاط الاقتصادي.
2. إصلاح المنظومة القانونية والإدارية
لا يمكن أن يزدهر الاستثمار في بيئة قانونية غير مستقرة أو غامضة. المطلوب هو إصلاح شامل لمنظومة القوانين التجارية والاستثمارية، بما يضمن وضوح الإجراءات وسرعتها وعدالتها.
يجب على سوريا إصدار قانون استثمار حديث يتماشى مع المعايير الدولية، ويضمن حماية الملكية، وحرية تحويل الأرباح، وتوفير التحكيم التجاري المستقل. كما يجب تفعيل دور المؤسسات الإدارية المعنية بالاستثمار، وتدريب كوادرها لتكون خادمة للمستثمر لا معيقة له.
3. البنية التحتية: عماد النمو الاقتصادي
تعاني سوريا من تدمير واسع في بنيتها التحتية نتيجة الحرب الطويلة. إعادة تأهيل هذه البنية ليست فقط ضرورة حياتية، بل شرط أساسي لقيام أي نشاط استثماري.
على الدولة أن تضع خطة وطنية لإعادة الإعمار تشمل شبكات الكهرباء والمياه، النقل، الطرق، الموانئ والمطارات، وتحديث البنية التكنولوجية. ويُفضّل أن تكون هذه الخطة بالشراكة مع القطاع الخاص، مع ضمان الرقابة والشفافية.
4. مصادر تمويل الاستثمارات: من أين ستأتي الأموال؟
من أهم الأسئلة التي تُطرح عند الحديث عن بيئة استثمارية واعدة هو: من أين تأتي الأموال التي ستُضخ في مشاريع إعادة الإعمار؟ الواقع أن مصادر التمويل في الحالة السورية يمكن أن تكون متعددة، وتحتاج إلى تنسيق وتخطيط دقيق:
شركات دولية: من المتوقع أن تبدي شركات إنشائية وطاقة واتصالات من دول مثل تركيا والصين وروسيا اهتمامًا كبيرًا بالمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، خاصة في حال تم تقديم ضمانات قانونية.
دول داعمة: من أبرز الداعمين المحتملين لسوريا تأتي الدول الخليجية، وعلى رأسها السعودية وقطر والإمارات، التي يمكن أن تساهم في إعادة الإعمار عبر منح أو استثمارات مباشرة في قطاعات الخدمات والبنية التحتية. كما أن تركيا مرشحة للعب دور اقتصادي واسع النطاق في الشمال السوري تحديدًا، ضمن ترتيبات مشتركة.
الولايات المتحدة الأمريكية: رفع العقوبات يمهّد أيضًا الطريق أمام استثمارات أمريكية مباشرة أو غير مباشرة، خصوصًا إذا اقترنت بسياسات انفتاح وتشجيع من واشنطن عبر الوكالات والمؤسسات التمويلية التابعة لها.
المؤسسات الدولية: في حال تحقق الاستقرار السياسي، يمكن لسوريا أن تدخل في مفاوضات مع البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، أو مؤسسات تنموية إقليمية للحصول على قروض تنموية مشروطة بالإصلاح والشفافية.
المغتربون السوريون: يشكّل السوريون في الخارج، وخاصة في أوروبا والخليج، مصدرًا محتملاً هامًا للاستثمار، إذا ما تم تقديم حوافز حقيقية وتسهيلات لعودة أموالهم.
القطاع الخاص المحلي: رغم ما مرّ به من دمار، لا يزال في سوريا رأس مال محلي يبحث عن فرص آمنة ومستقرة داخل الوطن بدلًا من تهريبه أو تجميده.
تنويع مصادر التمويل وتوزيع المخاطر سيساعد سوريا على تحقيق نهضة شاملة دون الوقوع في فخ التبعية لأي جهة بعينها.
5. مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية
الفساد هو العدو الأول لأي استثمار. لا يكفي رفع العقوبات إذا ظل الفساد ينخر في مؤسسات الدولة ويشوّه بيئة الأعمال.
يجب إنشاء هيئة مستقلة لمكافحة الفساد تتمتع بصلاحيات واسعة لمراقبة الأداء الحكومي والتحقيق في ملفات الفساد الكبرى. كما ينبغي سنّ قوانين تكفل الشفافية في المناقصات والعقود العامة، وتمكن المواطنين والإعلام من مراقبة الأموال العامة.
6. إصلاح النظام المصرفي والمالي
القطاع المصرفي في سوريا يعاني من عزلة طويلة وانعدام الثقة. لجذب المستثمرين، لا بد من تحديث هذا القطاع وربطه بالمنظومة المالية العالمية.
يجب تعزيز استقلالية البنك المركزي، وتحديث السياسات النقدية بما يضمن استقرار سعر الصرف. كما ينبغي تمكين البنوك الخاصة من العمل بحرية، وتطوير الخدمات المصرفية الرقمية.
7. الحوافز الاستثمارية والضمانات
تشمل الحوافز المطلوبة إعفاءات ضريبية مؤقتة، تسهيلات جمركية، تخفيض أسعار الأراضي الصناعية، وتوفير ضمانات ضد التأميم والمصادرة.
كذلك، إنشاء مناطق اقتصادية خاصة ومناطق حرة ذات إدارة شفافة يمكن أن يكون وسيلة فاعلة لجذب المستثمرين.
8. تطوير الموارد البشرية والتعليم التقني
سوريا تحتاج إلى برنامج وطني لإعادة تأهيل القوى العاملة، وربط التعليم بسوق العمل.
ينبغي إنشاء معاهد تدريب مهني متخصصة، وتشجيع عودة الكفاءات السورية في الخارج، ودمجهم في مشاريع التنمية.
9. تعزيز العلاقات الإقليمية والدولية
ينبغي لسوريا الانفتاح على محيطها العربي والدولي، وبناء علاقات شراكة اقتصادية مع دول الخليج وتركيا، إلى جانب توقيع اتفاقيات تجارية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. تقديم صورة جديدة عن سوريا كوجهة مستقرة وآمنة للاستثمار سيكون حاسمًا في استعادة الثقة الدولية.
10. كيف سينعكس ذلك على المواطن السوري؟
إن دخول استثمارات كبيرة إلى سوريا، خصوصًا في قطاع إعادة الإعمار، لن يكون تأثيره محصورًا في الاقتصاد الكلي، بل سيكون له أثر مباشر على المواطن:
فرص عمل: خلق مئات الآلاف من الوظائف في مشاريع البنية التحتية والخدمات.
تحسين الخدمات: من كهرباء ومياه ومواصلات ومدارس ومراكز صحية.
رفع الدخل: النشاط الاقتصادي سيحرك الأسواق ويرفع القدرة الشرائية تدريجيًا.
الأمان الاجتماعي: عندما تتحسن ظروف العيش، ينخفض التوتر والتهديد بالهجرة أو العنف.
خاتمة
رفع العقوبات ليس نهاية الطريق، بل بدايته. إنها فرصة تاريخية لسوريا لتعيد بناء نفسها لا كدولة ما بعد حرب، بل كدولة قانون واقتصاد واستقرار.
تحقيق ذلك يتطلب قيادة سياسية واعية، وشراكة وطنية شاملة، وأسس قانونية شفافة. وإذا تحققت هذه الشروط، فإن المواطن السوري سيكون أول من يقطف ثمار هذه المرحلة الجديدة.