كيف نحصّن أنفسنا؟

كيف نحصّن أنفسنا؟

شيركو كنعان عكيد

يبدو للوهلة الأولى وكأننا بصدد الخوض في موضوع يمّتّ الى مجالات الدفاع العسكري أو ربما بحث طبي له علاقة بالصحة كالوقاية من أمراض معينة مثلا
لكن ما سنخوض فيه لا يقل في الواقع أهمية عن كلا الأمرين، اذ كثيرا ما يستخف المرء أو يغفل عن خطورة أن يتم ضخّ عقله بمعلومات وأخبار مفبركة وشائعات مضللة , يتم عبرها التلاعب بمشاعره وانفعلاته وتؤثر في حسن تقديره للأمور وتسيطر على عقله و توجه توجّهاته , من خلال ما يعرف بالدعاية المضللة ( البروباغندا).
والواقع ان تاثير البروباغندا قد يكون سيئا جدا في بعض الأحيان خاصة حين لا يتم تعريتها وفضح غاياتها وأهدافها في الوقت المناسب ,لأن بامكانها احداث بلبلة واضطرابا كبيرين في حياة المجتمعات والأفراد فتتركهم في حيرة وتخبط وتخضعهم لضغوضات معينة , بالاضافة الى خلق حالة من الذعر والخوف والاستنتاجات الخاطئة دون طائل .
أستعملت هذه الوسيلة كأحد أشكال الدعاية للقادة والزعماء منذ القدم , لكن هذا المصطلح, ودون دلالته السياسية, استخدم لأول مرة في سنة 1622من قبل الكنيسة الكاثوليكية باسم ( مجمع نشر الايمان) بغية الترويج للدين المسيحي للشعوب التي لم تكن قد دخلت المسيحية بعد , مع ان الغاية آنذاك لم تكن هي التضليل او الخداع , بل لغايات تبشيرية وهي نشر الكاثوليكية لا غير .
استمر استخدام البروباغندا غير السياسية في المجالات التجارية والترفيهية كوسيلة دعائية للترويج لخدمات او سلع معينة , الى حين قيام الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر حيث تم بث الكثير من المنشورات السياسية بغية تحريض الجماهير وجذبها للانضمام الى الثورة.
بدأ استخدام البروباغندا بصورتها الحالية , وان لم يكن بنفس الكثافة والتركيز في بداية الحرب العالمية الأولى ثم تطور استعمالها في الحرب العالمية الثانية ,حيث تم تسخير كل وسائل الاعلام المتاحة حينها, واستخدمت كل وسائل الخداع والتضليل من قبل الأطراف المتحاربة في خدمة المعارك , ولا بدّ هنا من أن نقرّ بالفضل لمسؤول الدعاية النازي ( غوبلز) في تطور البروباغندا وتأثيرها واستمراريتها حتى ابان الحرب الباردة والى يومنا هذا وخاصة في الأنظمة الشمولية المنتشرة في العالم والتي تسخّر الدعاية المضللة في سبيل تكريس أنظمتها الديكتاتورية وتشديد قبضتها على رقاب شعوبها .
مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي المتعددة وبروز منصات اعلامية لا حصر لها مملوكة لهذه الجهة او تلك , وجدت الدعاية المضللة ( البروباغندا) مجالا عريضا وبيئة خصبة لبثّ سمومها وتخدير الفئات المستهدفة وتوجيهها الى حيث تريد بأخبار ومعلومات تفتقر الى الموضوعية و المصداقية والواقعية, بطريقة ذكية يصعب معها كشف حقيقة زيفها , ونشر ثقافة مبتذلة ورخيصة تنحدر بوعي المتلقي وتفكيره الى مستويات محزنة تنأى به عن قضاياه الرئيسية , والتلاعب بمشاعره بطريقة تقوده الى تكوين آراء ومواقف أنفعالية قد تقود الى ردود أفعال سيئة لا تحمد عقباها .
والسؤال هنا هو : كيف نحصّن انفسنا من تأثيراتها علينا ونتجنب الوقوع في شراكها ,اذ انها تعتاش وتتغذى على انفعالاتنا قبل تفكيرنا الواعي, والعقل الخاضع للأنفعالات لا يسعه القيام بالتفكيرالمنطقي السليم . فكيف نحمي انفسنا من خطر وقوعنا في فخّ التضليل وتبعاته على صحة قراراتنا و طريقةتفكيرنا عند تلقي الأخبار والمعلومات المختلفة ؟
قد يرى البعض ان استخدام البروباغندا المضادة هي الطريقة المثلى لمواجهة البروباغندا المسيئة أو الخطيرة , لكن هذا الاسلوب وان كان مفيدا للوهلة الأولى الا انه قد يؤدي بالنتيجة الى تحوله ايضا الى دعاية مضللة وتخلق بذلك حالة من فقدان الثقة في المصدر لدى المتلقي.
علينا قبل كل شيء امتلاك القدرة على التمييز بين الخبر والمعلومة الموثوقة عن الدعاية المضللة ؟
فالمعلومة بصورة عامة يجب ان تخاطب العقل قبل العواطف , فان شعرت بان ما تتلقاه يخاطب عواطفك قبل عقلك ,فعليك ان تقف موقفا متشككا منها, وان لا تصدق مباشرة ما تقرأه او تراه. وأن تتساءل عن الغاية من وراء تلك الأخبار او المعلومات قبل الانقياد اليها وتقبلها, خاصة ان افتقرت الى اي دليل أو مصدر موثوق, فان وقعت تحت تأثيرها العاطفي فأعلم بانك أكلت الطعم, لأن البروباغندا كما علمنا تتغذى دائما على الانفعال وتتغذى على الخوف .
لذا فان أفضل وسيلة لمواجهة الدعاية المضللة ووسائلها التي لا تعّد ولا تحصى هي أولا ,التحقق دائما من المصدر, والتفكير قليلا فيمن عساه يكون المستفيد من نشر هكذا أخبار او معلومات ,ثم أبحث بعدها عن الخبر من مصادر متنوعة ولا تعتمد دائما على مصدر واحد.
ان من ينشرون الدعاية المضللة قد يلجأون الى بثّ اخبار تثير خوفك من طرف او جهة ما, في الوقت الذي يعرضون فيه انفسهم كمخلصين ومدافعين عنك . هنا تمّ دفعك عاطفيا الى الوقوف معهم والانحياز اليهم بدافع الخوف الذي خلقوه لديك بناء على معلومات مضللة .( فمثلا ان الترويج لفكرة ان الفيدرالية ستقود حتما الى تقسيم البلاد , وتكرار ذلك على في وسائل الاعلام والمنصات المتاحة , يخلق خوفا لدى الجمهور من التقسيم مما يجعلهم يتخذون موقفا رافضا من الفيدرالية ,تحت تأثير الدعاية المضللة )
و هنالك أسلوب آخر لجعلك تصدق ما يروجون له ,ولأخذك الى الوجهة التي يريدونها, وذلك بتأجيج عواطف الغضب لديك واللعب على أوتار مبادىْ الكرامة او الانتماء او العقيدة ,وتصوير الأمر على انه انتقاص لما تؤمن به أو يمثل اهانة مباشرة لك أو لعقائدك من خلال نشر الصور والوثائق المحرّفة التي تبدو وكأنها تنال من مبادئك تلك.( مثلا : يروج طرف ما الى ان الديموقراطية تخالف الشرائع السماوية وانها ضد الدولة الدينية, مما يخلق لدى الفئات الشعبية المتدينة شعورا بالغضب والحماسة ضد كل دعاة الديموقراطية عند مشاهدتهم صورا أو أفلاما لأناس يحملون لافتات ترفض النظام الشمولي أو الديني وتدعوا للديموقراطية !)
ولعل أحد أخطر اساليب الدعاية المضللة هوعبر ما يتم تمريره لنا من رسائل مغلوطة مغلفة بغلاف الحيادية والموضوعية, بحيث يسهل تقّبلها دون تفكير او تشكيك لأن ظاهرها بريْ وغير منحاز, ولذلك فان اجراء تحليل بسيط للخبر او المعلومة و كذلك القراءة المتأنية قد يكشفان مضامينها الحقيقة وخاصة ما يكمن ما بين السطور او ما وراء الكلمات من أهداف خبيثة.وكثيرا ما يلجأ صانعو المحتوى التضليلي الى استهداف أشخاص بعينهم او شخصيات اعتبارية أو جهات ينتمون اليها بغية الاساءة اليهم والنيل منهم على المستوى الشعبي.
ان الوعي للمخاطر المتزايدة لهذه الآفة يجعل المرء عادة اقل عرضة للتعرض لمساؤها في عصرنا الرقمي المتسارع , وان المساهمة في مواجهتها هو واجب يقع على عاتقنا جميعا, وذلك بزيادة التوعية بماهية تلك الآفة والتقليل ما أمكن من مخاطرها على كافة مفاصل حياتنا افرادا أو جماعات .