ما بعد خطوة حزب العمال الكردستاني: ماذا يتطلب من بعض أحزاب الحركة الوطنية الكردية السورية؟
شيرزاد هواري
في خطوة وُصفت بالتاريخية، أعلن حزب العمال الكردستاني التركي حلّ نفسه رسميًا، استجابة لرسالة زعيمه عبدالله أوجلان الذي دعا إلى عقد المؤتمر الأخير للحزب، وإعلان نهاية الكفاح المسلح وبداية مرحلة جديدة قائمة على الانخراط بالحياة السياسية والمدنية داخل تركيا. هذا القرار، رغم رمزيته الكبيرة، لم يأتِ من فراغ؛ فالحزب يمتلك قاعدة جماهيرية ضخمة، وقدرات مالية واقتصادية معتبرة، مكنته من التأثير في الشارع والتحرك ضمن منظومة سياسية قادرة على المناورة والبقاء.
هذا التحول الجذري في مسيرة حزب العمال يجب أن يُقابَل بوقفة جدية من قبل الأحزاب الكردية السورية، خاصة تلك التي لم تُقدّم شيئًا يُذكر خلال العقود الماضية سوى اسمها المدرج ضمن قوائم التنظيمات السياسية. هذه الأحزاب التي لا تملك قاعدة جماهيرية حقيقية، ولا ميزانية تشغيلية تُفعل من خلالها أنشطتها أو تحرّك كوادرها، تقف اليوم أمام اختبار وجودي يتجاوز مجرد رفع الشعارات أو إصدار البيانات الموسمية.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف ستواكب هذه الأحزاب هذه التحولات الكبرى في الخارطة السياسية الكردية الإقليمية؟ وما الذي يتطلبه الواقع الجديد منها كي تظل فاعلة أو على الأقل ذات صلة بالشأن الكردي السوري؟
أولًا: المراجعة التنظيمية والسياسية
يتطلب الأمر إعادة تقييم حقيقية لهوية هذه الأحزاب وأهدافها، وموقعها من الحراك السياسي في سوريا. لا يمكن لأي حزب أن يظل على قيد الحياة دون رؤية واضحة، وخطة عمل تواكب التحولات السياسية والاجتماعية، خاصة في ظل تجربة مريرة أثبتت أن الخطاب التقليدي لم يعد يجذب الجماهير، ولا يؤسس لوجود فعّال.
ثانيًا: ضرورة الاستفادة من التجربة الكردية المشتركة في سوريا
من أبرز المحطات السياسية التي كان يمكن أن تُشكل نقطة تحول فعلية هي الاتفاق الكردي – الكردي السوري، الذي جاء بعد مؤتمر الحوار الوطني الكردي، وتمخض عنه إعلان وثيقة الرؤية الكردية المشتركة بين المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي، بمشاركة عدد واسع من أطراف الحركة الوطنية الكردية، وبرعاية وحضور دولي. هذه الوثيقة، التي حملت في طياتها إمكانية لتوحيد الرؤى والخطاب السياسي الكردي في سوريا، لم تُفعّل بشكل فعلي على الأرض، بسبب تردد بعض الأطراف، أو بسبب حسابات ضيقة أجهضت مسار التفاهم.
اليوم، وفي ظل التغيرات الإقليمية، وقرار حزب العمال التاريخي، تبدو الحاجة ماسة إلى إحياء هذا الاتفاق، والعودة إلى طاولة العمل المشترك، ليس فقط كخيار وحدوي، بل كضرورة سياسية لضمان الحضور الكردي في مستقبل سوريا.
ثالثًا: ترميم الذات الحزبية والسير نحو الاندماج أو الحل
لا يمكن مواكبة المرحلة الجديدة بأحزاب مشتتة أو منهكة أو ميتة تنظيميًا. لذلك، من الضروري أن تمضي هذه الأحزاب إما في طريق ترميم بنيتها الداخلية، أو العمل الجاد على الاندماج مع بعضها البعض في كيانات موحدة، أكثر فاعلية وتنظيمًا، أو حتى أن تعلن بعضها حلّ ذاتها طوعًا في حال عدم قدرتها على أداء أي دور فعلي. مثل هذه الخطوات لا تعني الانسحاب، بل تُمثل شجاعة سياسية تُعزز من فرص بناء إطار كردي موحد حقيقي.
رابعًا: التهيئة لوفد كردي مشترك إلى دمشق
تفعيل وثيقة الرؤية الكردية المشتركة يتطلب الترجمة العملية لها، وأبرز ملامح هذه الترجمة هو تشكيل وفد كردي سوري موحد ومؤهل سياسيًا وتفاوضيًا، يتوجه نحو العاصمة دمشق، للدخول في حوار وطني مفتوح مع الحكومة السورية الجديدة، بشأن الحقوق القومية والسياسية والثقافية المشروعة للشعب الكردي في سوريا المستقبل. مثل هذه الخطوة، إن تمت بتوافق داخلي كردي، وبدعم إقليمي ودولي، يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها للكرد دور وطني واضح ومؤثر في صياغة الدستور والنظام السياسي لسوريا القادمة.
خامسًا: بناء القاعدة الجماهيرية من جديد
غياب هذه الأحزاب عن الشارع الكردي السوري في مناطقه الرئيسية، مثل القامشلي، الحسكة، كوباني، وعفرين، يعني أنها بعيدة كل البعد عن نبض الناس. المطلوب الآن هو العودة إلى الناس، والاشتغال على بناء قاعدة شعبية حقيقية عبر التواصل المباشر، والمشاركة في قضايا المجتمع اليومية، وليس فقط عبر بيانات سياسية نخبويّة.
سادسًا: تطوير الموارد والتمويل الذاتي
من غير الممكن لحزب أن يعمل بشكل منتظم دون مصادر تمويل شفافة ومستقرة. على هذه الأحزاب التفكير بجدية في تطوير أدوات تمويل ذاتية، سواء من خلال الاشتراكات، المشاريع المجتمعية، أو الشراكات السياسية مع قوى تؤمن بالعمل الديمقراطي.
سابعًا: تجاوز الخطاب الانقسامي
أحد أبرز أمراض الحركة الكردية السورية هو الانقسام والتناحر على التفاصيل. ما حدث في حزب العمال يمكن قراءته أيضًا كمحاولة لتجاوز صراع الزعامات والانشقاقات، والانتقال إلى مؤسسة سياسية تتعامل مع الواقع. على الأحزاب السورية أن تستلهم هذا النهج وتبدأ بحوارات جادة لتوحيد الصف أو على الأقل تقليل التشتت التنظيمي.
في الختام، إن المتغيرات الكبرى في الساحة الكردية، وخاصة ما يتعلق بإنهاء الكفاح المسلح من طرف أحد أقوى الأحزاب الكردية في المنطقة، تشكل جرس إنذار لأحزاب كردية سورية ما زالت تراوح في مكانها. لم يعد كافيًا الاعتماد على الاسم والتاريخ، بل المطلوب اليوم هو الانتقال إلى الفعل السياسي الحقيقي، والانخراط في المجتمع، وتطوير أدوات العمل السياسي بما يتلاءم مع التحديات الجديدة التي تواجه الشعب الكردي في سوريا والمنطقة عمومًا.