هوامش بشأن الدستور
فرهاد شاهين
أولاً في المبدأ
1- بدايةً الدستور ليس عمل الخبراء الدستوريين، فدورهم ينحصر في الصياغة وتقديم الخيارات التقنية وفقاً لما تقرره الإرادة المجتمعية، يترجمون هذه الإرادة بخيارات من الأحكام الدستورية المطبقة في أنظمة دستورية مقارنة، ويبتكرون أدوات جديدة.
2- الدستور عمل الشعب كما يقال، أي أنه عمل يحدّد بموجبه المواطنون شروط ممارسة السلطة السياسية، حيث إن الحكام ليسوا أحراراً في حيازة السلطة، والبقاء فيها، وفي استخدامها كما يشاؤون، بل هم خاضعون في ذلك لاحترام القواعد التي تمليها الأمة (الشعب).
3- والدستور ليس عملاً ينحصر في تنظيم كيفية ممارسة السلطة، وإنما هو عمل يحدّد فيه بنية الدولة وبنيان المجتمع، حيث إنه يشكل الضمانة الأساسية لحقوق المواطنين وحرياتهم. أي أن محوره يهدف إلى تحقيق التوازن بين ضمانات الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين وضرورات فاعلية السلطة.
4- من ثم الدستور هو في صلبه وجوهره مجرّد إحاطة قانونية بظاهرة سياسية، أي أن الدستور ليس سوى حياكة قانونية لتوافق سياسي/وطني في المجتمع. لذلك أي صياغة من أي فئة أو جهة دون تكليف أو تفويض من هذا التوافق السياسي/الوطني هو كمن يبدأ بقص وتفصيل القماش قبل معرفة مقاس الشخص الذي سيرتدي الثوب، أي ببساطة كما يُقال: وضع العربة قبل الحصان، أو بيع جلد الدب قبل اصطياده. وهذا سيكون جهداً عبثياً، وفي الحالة السورية سيزيد عن عبثية المشهد.
5- وبالتالي لا تملك أية فئة من المجتمع احتكار كتابة أو صياغة مشروع دستور دون تكليف أو تفويض من قبل هذا التوافق السياسي/الوطني.
6- بعيداً عن أي مزايدة بمسألة السيادة، والتأكيد بأن صناعة وإقرار الدستور قضية وطنية بامتياز من الألف إلى الياء، لا يمكن إنكار ولا يمكن نفي تأثير القوى الدولية والإقليمية،
7- وهنا لا بد من التأكيد بأن مسألة الشرعية تبقى مسألة داخلية ترتبط بالتوافق الوطني.
8- لا بد من التأكيد مجدداً، إن مصداقية أي وثيقة دستورية ترتبط بدايةً وفي المقدمة بالجهة التي أعدت الدستور بتكليف أو تفويض من التوافق السياسي/الوطني والتي تحتاج من ثم لتصديق من هذا التوافق.
9- لا يوجد شيء يسمى دستور مثالي أو عصري، فالدستور الأمثل والأفضل هو ما يتوافق عليه الشعب والذي بالضرورة يراعي الحدود الدنيا لمتطلبات العصر.
ثانياً من الناحية الفنية
1- الدساتير التي تأتي بعد أزمة عميقة كالحالة السورية تأتي في صياغات مطولة، بحيث تُكتب معظم الأشياء الخلافية ولا تحال لقوانين لاحقة
2- من الناحية الكمية، تقريباً 80% من أحكام دساتير دول العالم متشابهة من حيث الهيكل العام للحقوق والحريات والأحكام الناظمة للسلطات الدستورية، والـ 20٪ المتبقي هي من تحدد الخيارات السياسية التي يتوافق عليها الشعب والتي تتعلق بالحدود والعلاقات بين السلطات الدستورية ومدى التوازن بينها.
أخيراً، إذا كان يحق لي أن أبدي بعض النصائح، أقول:
1- في معظم الدول التي شهدت أزمات عميقة، الأزمة لم تكن في الدستور والنصوص رغم أهميتها، فجوهر الأزمة أو المحنة هي في تفسير وتطبيق أحكام الدستور من خلال الحوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
2- الدستور ليس مجرّد صياغة جميلة ومحكمة لمن توافقوا واستولوا على السلطة في لحظة ما للإطلالة به على المجتمع المحلي والدولي، سيكون مزيفاً إن لم يقرن بهامش كبير من الحرية
3- الدستور الذي يبني دولة هو من يحتضن جميع مواطنيه، بكافة مكوناته وطوائفه دون أي تميز
4- بناء دستور أساسه "عقد اجتماعي سوري" يتطلب في الحد الأدنى بديهيات معاصرة غير قابلة لا للاجتهاد ولا للإنكار-
- التوازن: توازن بين السلطات المركزية، وتوازن بيننها وبين السلطات المحلية (لامركزية واسعة)
- الحياد: استقلالية القضاء يضمن حياد القاضي، وحياد الإدارة الحكومية في تقديم خدماتها
- العدالة: عدالة انتقالية عمّا جرى، وعدالة تنقلنا لدولة القانون.
المدد الزمنية لكتابة دستور إذن تتعلق بإنجاز التوافق الوطني، وليس بالصياغة. فكلما استطعنا الإسراع في الوصول لهذا التوافق الوطني يمكننا صياغة دستور في مدة قريبة... والعكس بالتأكيد صحيح.