وحدة الكلمة الكردية: ضرورة مصيرية في زمن التحوّلات

وحدة الكلمة الكردية: ضرورة مصيرية في زمن التحوّلات

جيهان حاجي

في زمن تتسارع فيه المتغيرات الإقليمية، وتتزايد التحديات التي تواجه الشعب الكردي في أجزاء كوردستان الأربعة، تبرز وحدة الصف والكلمة الكردية كحاجة وجودية لا تقبل التأجيل. فقد دفع الكرد ثمناً باهظاً عبر عقود من الاضطهاد والتهميش، وكتبوا صفحات مشرقة بالتضحيات في سبيل نيل حقوقهم القومية والثقافية. ومع ذلك، لا يزال الانقسام السياسي والحزبي يعصف بالمشهد الكردي، معطلاً ترجمة تلك التضحيات إلى مكاسب وطنية مستدامة، ومؤخراً أصبح هذا الانقسام سبباً مباشراً في إضعاف مواقع القرار الكردي في المنصات الإقليمية والدولية.
إن ما يوحّد الكرد، من إقليم كوردستان إلى غرب كوردستان، مرورًا بباقي الأجزاء، أعمق وأرسخ من كل ما يفرّقهم. فهناك لغة تجمعهم، وثقافة واحدة تسري في وجدانهم، وتاريخ نضالي مشترك يشهد على صمودهم. هذه المقوّمات تشكّل أساساً طبيعياً لبناء وحدة سياسية واجتماعية صلبة، قادرة على مجابهة التحديات وفرض الحضور الكردي كطرف فاعل في معادلات المنطقة. غير أن الواقع، للأسف، يُظهر تفاوتاً في المواقف والخطابات بين الأطراف الكردية، ما أضعف الموقف الكردي العام، وفتح الباب واسعاً أمام التدخلات الخارجية التي توظف الانقسام لصالح أجنداتها الخاصة، وهو ما تكرّر مراراً في المحطات المفصلية.
غياب التنسيق والتشبيك بين القوى الكردية، لا سيّما في الأوقات الحرجة، يُضعف الجبهة الكردية في مواجهة التحديات المتعددة، سواء كانت أمنية، سياسية، أو اقتصادية. هذه الصورة المكررة تستوجب وقفة شجاعة ومراجعة نقدية جادة لبناء مشروع وطني كردي موحّد، يعلو على الانقسامات والحسابات الضيقة، ويؤمن بأن الاستقلالية الحزبية لا تتعارض مع المصلحة القومية العليا.
الوحدة لا تعني صهر التعدُّدية ولا فرض رأي واحد، بل هي فعل تكامل وتنسيق يرتكز على الاحترام المتبادل وتغليب المصلحة العامة. يمكن للأحزاب والتنظيمات الكردية أن تختلف في الأساليب والرؤى، لكن يجب أن تتوافق على ثوابت وطنية راسخة: الدفاع عن الوجود، حماية اللغة والثقافة، والنضال المشترك من أجل نيل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
الخطوة الأولى في هذا المسار تبدأ بإطلاق حوار كردي–كردي صادق، شفاف، وشجاع؛ حوار يقدّم مصلحة الشعب فوق كل اعتبار، ويدار بعقلانية تلامس الواقع وتُدرك تحدياته، ويتخطى العوائق النفسية والتاريخية. وهنا، لا يقلّ دور المثقفين والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني أهمية، فهم رافعة الوعي الجماعي، وحماة وحدة الصف في وجه خطاب الكراهية والانقسام والتخوين.
ختاماً، لن يحقق الكرد تطلعاتهم المشروعة ما داموا متفرقين. فالتاريخ لا يرحم الأمم الممزقة، والمستقبل لا يُمنح، بل يُنتزع بوحدة الإرادة والقرار. آن الأوان للكرد أن يتحدثوا بصوت واحد، ويصوغوا مشروعهم الوطني برؤية موحّدة تحترم التنوّع وتعزز القوة. وحدها هذه الروح قادرة على بناء مستقبل يليق بتضحيات هذا الشعب العظيم، ويضعه في موقع الشريك لا التابع في صياغة مصيره.