نهاية السلاح أم بداية جديدة؟ قراءة في قرار حزب العمال الكردستاني بحل نفسه

نهاية السلاح أم بداية جديدة؟ قراءة في قرار حزب العمال الكردستاني بحل نفسه

محمد أمين أوسي

أثار قرار حزب العمال الكردستاني (PKK) الأخير بحل نفسه والتخلي عن السلاح، وفق اتفاق مع الدولة التركية، موجة من ردود الفعل المتباينة في أوساط محلية ودولية، إذ يراه البعض خطوة تاريخية نحو إنهاء صراع دام عقوداً، بينما ينظر إليه آخرون بشيء من الشك، معتبرين أن التعقيدات على الأرض، خصوصاً في سوريا والعراق، قد تُفرغ القرار من محتواه أو تخلق واقعاً أمنياً وسياسياً أكثر تعقيداً.
منذ تأسيسه في أواخر السبعينيات، خاض حزب العمال الكردستاني تمرداً مسلحاً ضد الدولة التركية، مطالباً في بداياته باستقلال كردستان، ثم ما لبث أن تحول إلى المطالبة بالحكم الذاتي وحقوق ثقافية وسياسية للكرد في تركيا. وقد أدرج الحزب على قوائم الإرهاب لدى تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وظل لعقود هدفاً رئيسياً للجيش التركي في الداخل وفي جبال قنديل في العراق.
قرار الحزب بحل نفسه يأتي في ظل ظروف إقليمية ودولية شديدة الحساسية. تركيا تسعى منذ سنوات إلى إنهاء النزاع الكردي على أراضيها من خلال مسارين متوازيين: المسار العسكري ضد مقاتلي الحزب وتنظيماته، والمسار السياسي الذي شهد محاولات حوار ومبادرات سلام سابقة باءت بالفشل. الجديد اليوم هو أن الحزب، بحسب ما أُعلن، يقبل بحل نفسه طوعاً مقابل ضمانات تركية – لم يُكشف عنها بالكامل – تتعلق بالأسرى، وبمستقبل المقاتلين، وربما بفتح المجال السياسي للكرد ضمن الدولة التركية.
لكن السؤال المركزي يبقى: هل يمثل هذا القرار نهاية حقيقية لصراع امتد أكثر من أربعة عقود، أم أنه مناورة تكتيكية جديدة؟
لا يمكن النظر إلى هذا الاتفاق بمعزل عن واقع الحزب في كل من سوريا والعراق. ففي سوريا، تُعد وحدات حماية الشعب (YPG) – التي تُشكّل العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) – امتداداً أيديولوجياً وتنظيمياً لحزب العمال. وهي تُسيطر اليوم على مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا، بدعم عسكري من الولايات المتحدة في اطار مكافحة الارهاب. في العراق، يحتفظ الحزب بوجود مسلح وتنظيمي فعّال، خاصة في مناطق جبال قنديل وسنجار، حيث أنشأ هناك بنى إدارية وأمنية شبه مستقلة.
من هنا، يطرح قرار الحل والتخلي عن السلاح إشكالية مزدوجة: أولاً، إلى أي مدى يشمل الاتفاق التركي مع قيادة الحزب هذه الامتدادات؟ وثانياً، كيف ستتعامل هذه الأذرع، التي باتت تحمل طموحات سياسية مستقلة، مع القرار المركزي بحل الحزب؟
في الحالة السورية، لا يبدو أن وحدات الحماية أو قوات "قسد" مستعدة لتفكيك نفسها استجابة لقرار اتُخذ في قنديل. فهذه القوات تعتبر نفسها ذات شرعية محلية، وهي الآن جزء من معادلة دولية تتجاوز تركيا وسوريا. ومع غياب أي اتفاق سوري – كردي شامل، فإن الحديث عن حل ذاتي لتنظيمات كردية في سوريا يبدو بعيداً عن الواقعية، بل قد يدفع تركيا إلى مزيد من التدخل العسكري بحجة استمرار "التهديد".
لكن من المهم التأكيد على أن فئات واسعة من الكرد السوريين، خصوصاً الفاعلين السياسيين والاجتماعيين المستقلين، طالما عبّروا عن أن وجود حزب العمال الكردستاني على الأرض السورية، بآلياته العسكرية والأمنية، ليس خياراً كردياً سورياً حقيقياً، بل يُشكل عبئاً على الحراك السياسي الكردي في سوريا، ويعرض المناطق الكردية للخطر المتكرر. إن مطلب خروج عناصر الحزب الأجانب من سوريا وإلقاء السلاح هو في جوهره مطلب كردي داخلي قبل أن يكون استجابة لضغوط خارجية. فالكرد السوريون، الذين ناضلوا سلمياً لعقود من أجل الاعتراف بحقوقهم القومية والمدنية، لا يريدون أن يُختزل مشروعهم في امتداد عسكري لحزب يخوض معركة في بلد آخر. إن بناء مشروع كردي سوري ديمقراطي، لا يتحقق في ظل التبعية لتنظيم عابر للحدود.
أما في العراق، فإن الوضع لا يقل تعقيداً. الحزب يحتفظ هناك بخنادق ومقرات ومقاتلين، ويُعد لاعباً في الساحة الكردية، سواء من خلال حضوره العسكري في سنجار أو في إطار المنافسة السياسية مع الحزب الديمقراطي الكردستاني. في حال حل نفسه فعلاً، فهل سيتخلى عن هذه الأوراق؟ أم أن هناك فصائل ستشق طريقاً خاصاً بها وتستمر في النشاط المسلح تحت مسميات جديدة؟
تاريخ الحركات السياسية والعسكرية في المنطقة يُظهر أن "الحل" التنظيمي لا يُترجم بالضرورة إلى اختفاء على الأرض. تجارب سابقة – كحل الجبهة الديمقراطية أو فصائل عراقية بعد الاحتلال الأمريكي – أظهرت أن البنية العسكرية والأمنية قد تتحول أو تنشطر، لكنها لا تختفي بين ليلة وضحاها. وإذا لم تُرفق خطوة حل الحزب بإجراءات ميدانية واضحة وشفافة، فإن تأثيرها العملي سيكون محدوداً.
إقليمياً، قد يفتح هذا القرار الباب أمام تغييرات كبيرة، إذا ما اقترنت بإرادة حقيقية من أنقرة لإعادة بناء العلاقة مع المكوّن الكردي داخل تركيا على أساس حقوقي وسياسي وليس أمني فقط. لكن التجربة تُحذر من التفاؤل المفرط، خاصة أن الحكومات التركية المتعاقبة كثيراً ما استخدمت ورقة الصراع الكردي لتكريس خطاب قومي أو لتعزيز نفوذها الإقليمي.
بالمقابل، فإن الجهات الكردية في سوريا والعراق قد تجد نفسها مضطرة لإعادة تعريف علاقتها مع حزب العمال، إما بالتماهي الكامل معه أو بإعلان مسافة سياسية واضحة. الخيار الأول سيُبقيها هدفاً لتركيا ويُضعف موقفها التفاوضي محلياً ودولياً، بينما الخيار الثاني قد يؤدي إلى انقسامات داخلية أو إلى فقدان دعم جزء من القواعد التي لا تزال ترى في حزب العمال رمزاً تاريخياً للمقاومة.
في هذا السياق، يصبح من الضروري على القوى الكردية في سوريا والعراق أن تُبادر لتأسيس أطر سياسية مستقلة، بعيدة عن الأجندات العابرة للحدود، وأن تنخرط في العملية السياسية المحلية وفق رؤية مدنية ديمقراطية واضحة، تحقق للكرد حقوقهم دون الارتباط بتنظيمات مصنفة دولياً كإرهابية. كما أن الوقت قد يكون مناسباً للدعوة إلى مؤتمر كردي جامع، يُعيد صياغة المشروع الكردي الإقليمي على أسس تتلاءم مع المتغيرات الجديدة.
خلاصة القول، إن قرار حل حزب العمال الكردستاني، رغم ما يكتنفه من رمزية كبرى، يبقى خطوة أولى في طريق طويل وشاق. نجاحه يتوقف على مدى جدية الطرفين في تطبيقه، وعلى القدرة على تجاوز التداخلات الجغرافية والتنظيمية التي بناها الحزب طيلة أربعة عقود. أما مستقبل الكرد في المنطقة، فلن يُصنع بالبندقية وحدها ولا بقرارات فوقية، بل عبر بناء مؤسسات سياسية ديمقراطية تستمد مشروعيتها من شعوبها، لا من السلاح أو الجبال.