تفككون الحزب؟ وماذا عن الدم؟ عن القبور؟ عن الحلم الذي أورثتموه؟

تفككون الحزب؟ وماذا عن الدم؟ عن القبور؟ عن الحلم الذي أورثتموه؟

صلاح عمر

حدثٌ يشبه الزلازل في هدوئه. بيانٌ كأنه صفعة، أو مرآة تشقّقت فيها ملامح جيلٍ كامل.
حزب العمال الكوردستاني، ذاك الاسم الذي شغل الشرق الأوسط لعقود، قرّر أن "يتحلل" كما تتحلل أوراق الخريف، لكن دون أن يحدد في أي تربة ستُدفن الجذور، ولا إن كانت ستنبت من جديد.
في البيان الختامي لمؤتمره الثاني عشر، أعلن الحزب حلّ نفسه، وإعادة تشكيل بنيته السياسية والتنظيمية، في لحظة بدت للكثيرين كأنها مشهد الوداع الأخير... أو بداية التحوّل الأعقد. لم يكن بيانًا عاديًا. كان كالطلقة الأخيرة من بندقية ثورية طالما أشعلت الأمل والخوف والجدل معًا.
كل العيون كانت تترقب
الخصوم صمتوا برهة قبل أن يبتسموا. الحلفاء أُربكوا، وراحوا يحاولون تأويل الخطوة بما لا ينسف تاريخًا مشتركًا.
أما الشارع الكردي، ذاك الذي كان دائمًا الحاضن والضحية معًا، فقد وقف مذهولًا، عاجزًا عن الفرح أو الحزن.
الأسئلة انفجرت قبل أن يجف الحبر: هل انتهى زمن البندقية؟ هل قرر الحزب – بعد عقود من الحرب والدم – أن يعود إلى حضن السياسة؟
أم أن قرار الحل ما هو إلا إعادة انتشار لمرحلة جديدة، أكثر دهاءً وأقل صخبًا؟
البعض رأى في الخطوة انتحارًا تكتيكيًا، وانهيارًا عموديًا لكيانٍ كان أقرب إلى الأسطورة.
آخرون اعتبروها محاولة ذكية للهروب من العزلة الدولية والضغوط الإقليمية، وتلميع الصورة الملطخة بالدم، للعودة إلى الساحة من بوابة الشرعية.
وفئة أخرى – وهي الأصخب صوتًا – احتفلت بما يشبه النشوة، كأن حلّ الحزب قد منحهم انتصارًا شخصيًا على عدوٍ ظلّ يؤرقهم لعقود، دون أن يتساءلوا عن البديل، أو عما إذا كانت القضية الكردية تربح فعلًا حين تُهزم أدواتها، مهما كانت مثقلة بالأخطاء.
لكن خلف كل هذه الأصوات، خلف خطب التشفي، وخلف محاولات التبرير، يبقى السؤال الأكبر يتردد في وجدان الكردي البسيط، ذاك الذي لم يفهم كل تفاصيل الأيديولوجيا، لكنه فهم أن هناك من قاتل باسمه في الجبل:
هل انتهى كل شيء؟
هل كانت تلك الجثامين الطاهرة التي وُريت الثرى على قمم كوردستان، مجرد وقود لمرحلة عابرة؟ هل يمكن لثورة أن تُطفأ ببيان؟ وهل فعلاً حان زمن الصمت... وزمن النسيان؟
هناك من قال إن الحزب كان عبئًا، وإن الكفاح المسلح فقد شرعيته، وإن المرحلة تستوجب خطابًا جديدًا وأدوات جديدة. ربما. لكن هل جرت المراجعة الحقيقية؟ هل اعتُذر للشباب الذين أُرسلوا للجبهات في عزّ الربيع، دون بوصلة سياسية واضحة؟ هل سُئل الشعب الكردي عن رأيه في مآلات الدم؟ في معنى الفداء؟ في نتائج التضحيات؟
في المقابل، هناك فئات لا يعنيها ما حصل أصلًا. فئةٌ نذرت نفسها للعداء الأبدي، تبني هويتها على كره الآخر، وحين حلّ الحزب كادت تفقد معناها، وستجد نفسها مضطرة لاختراع عدوٍ جديد لتبقى على قيد الحقد. وفئةٌ أخرى تعيش على فتات الموائد الإقليمية، تتبدل مواقفها بتبدل سعر الدولار، ولا ترى في الكرد سوى أوراقاً في لعبة الشطرنج التركية أو الإيرانية. وفئة "الخرّيبة"، التي لا يرضيها شيء، لا تقاتل ولا تسالم، لا تؤيد ولا تعارض، بل تراقب من وراء زجاج اللامبالاة.
ووسط هذه الضوضاء، ثمة أغلبية صامتة، تراقب المشهد بحيرة حزينة. شعبٌ أنهكته الانقسامات، وأتعبه السلاح كما أتعبته المؤتمرات.
شعبٌ يتساءل: من يمثلنا بعد اليوم؟ من يرفع علمنا دون أن يلطّخه؟ من يقاتل من أجلنا دون أن يساوم على دمنا؟ من يفاوض باسمنا دون أن يبيعنا؟
من سيعيد المعنى إلى هذا التيه؟
لكن خلف هذه الأصوات كلها، هناك سؤالٌ لا يُقال، لا يُكتب، لكنه يحوم في كل العيون: ماذا عن المصير؟ عن الخطأ؟ عن الدم؟ عن القبور؟ عن الحلم الذي أورثتمونا إياه؟ من الذي سيشرح للأمهات ما حدث؟ من سيعتذر؟ من سيتحمل مسؤولية الوهم الطويل؟ ومن سيعيد تعريف الوطن، والثورة، والمقاومة؟
لقد كان يمكن للحزب أن يُعيد إنتاج نفسه، أن يُراجع دون أن ينهار، أن يتواضع دون أن يسقط، أن يعيد تموضعه دون أن يعتذر من أعدائه، وأن يفتح الباب لشعبه لا لأجهزة الأمن والحدود المرسومة بالدم.
لكن ما جرى ليس مراجعة، بل دفنٌ بلا عزاء، إنهاءٌ بلا وضوح، واستقالةٌ من الحلم بلا بديل.
الجواب عندكم... والسكوت عندنا موجع.
عندكم أنتم الذين صنعتم الفكرة، وزرعتم الحلم، وحملتم الرايات في شتاء الجبال.
الجواب لا عند من خانوا، ولا من صفقوا، ولا من هربوا.
أما نحن، فسكوتنا موجع...
يشبه صلاة على قبرٍ لا نعرف إن كان نهاية الحكاية... أم بدايتها.
فهل يكون هذا البيان نهاية الطريق؟ أم مجرّد منعطف في دربٍ لا يزال طويلاً؟ وهل نملك نحن، الشعب، الحق في أن نسأل... عن الخطأ؟ عن الدم؟ عن المصير؟ عن القبور؟
السكوت جريمة أحيانًا...لكن حين يكون السؤال موجعًا، يصبح الصمت صلاةً. فهل من مُصغٍ في هذا الضجيج؟