بين الكلمة والسلطة: قراءة معمقة في خطاب الرئيس مسعود بارزاني

بين الكلمة والسلطة: قراءة معمقة في خطاب الرئيس مسعود بارزاني

حسين محمد

في عالم السياسة، لا تكون الكلمات مجرّد تعابير عن الرأي، بل أدوات لصياغة الواقع وتشكيله. حين يتحدث القادة، فإنهم لا ينقلون أفكارًا فقط، بل يضعون حدودًا لما يمكن التفكير فيه، يحددون المسموح والممنوع، ويعيدون رسم خارطة القوى والمصالح. في هذا السياق تأتي مقابلة الرئيس مسعود بارزاني على قناة (شمس) الكردية والناطقة بالعربية، حيث يتناول القضية الكردية في سوريا، لكنه لا يطرحها كمسألة مجردة، بل كموضوع تتداخل فيه الذاكرة والتاريخ، المصالح والتحالفات، الرؤية والسلطة.
ويمكننا استخلاص مجموعة من النقاط الهادفة في هذه المقابلة:

1) إعادة تشكيل الواقع:
منذ اللحظة الأولى، يضع الرئيس مسعود البارزاني إطارًا واضحًا للمسألة الكوردية في سوريا فيقول بأنهم أمام مفترق طرق، وعليهم أن يختاروا طريق الحوار بدلاً من الصدام. هذه ليست مجرّد نصيحة سياسية، بل إعادة تعريف للوضع القائم. فبدلاً من تصوير القضية الكردية كصراع بين قوة مضطهدة وقوة غاشمة، يقدّمها كمعضلة تتطلب حكمة سياسية، وكخيار بين مسارين: إما الانخراط في المفاوضات وإيجاد حلول مشتركة، أو الاستمرار في النزاعات التي لن تؤدي إلا إلى مزيد من المعاناة.
بهذا الطرح، لا يعيد الرئيس بارزاني فقط تعريف المشكلة، بل يحدد أيضًا شروط الحديث عنها. فهو لا يمنح الشرعية لمنطق المواجهة المسلحة، بل يؤطر الحل ضمن نطاق الدبلوماسية والسياسة. إنه يقرر ما هو ممكن وما هو مستحيل، ما هو مشروع وما هو غير ذلك، ويضع بذلك حدودًا للواقع السياسي الذي يريد أن يرسخه.

2) بين التاريخ والشرعية:
في حديثه، لا يعتمد المرجعية الكردية الرئيس البارزاني على مواقفه الشخصية فحسب، بل يستحضرُ التاريخَ السياسيَّ للكُرد ليمنح خطابه قوة أكبر. يشير إلى تجارب سابقة، إلى محطات صعود وهبوط، إلى نجاحات وإخفاقات، ليقول إن الحكمة السياسية لا تأتي من العدم، بل هي نتاج تجربة طويلة. بهذا، يصبح الخطاب ليس مجرد رأي سياسي، بل امتدادًا لخبرة تاريخية تمنحه الشرعية.
لكن استدعاء التاريخ لا يكون محايدًا. فهو لا يذكر كل شيء، بل ينتقي اللحظات التي تدعم رؤيته. فالأكراد، في خطابه، ليسوا فقط ضحايا للمؤامرات الدولية، بل أيضًا أصحاب قرار ومسؤولية. ليسوا مجرد شعب تعرّض للخذلان، بل قوة يجب أن تعرف كيف تستثمر الفرص وتتجنّب الأخطاء. بهذه الطريقة، يتحول التاريخ إلى أداة لإنتاج المعرفة، إلى وسيلة لصياغة الحاضر عبر قراءة معينة للماضي.

3) تصوير الآخر:
في أي خطاب سياسي، لا يكون الحديث عن الذات فقط، بل عن الآخر أيضًا. وهنا نجد الرئيس مسعود البارزاني يعيد رسم صور القوى المختلفة في المشهد. فهو لا يشيطن أي طرف، لكنه في الوقت نفسه يوضح أن هناك مصالح متضاربة، وأن بعض الجهات قد لا تريد الخير للكرد. لكنه، بدلاً من اتخاذ موقف عدائي، يدعو إلى التعامل بواقعية، إلى فهم توازنات القوى، وإلى العمل ضمن الممكن بدلاً من ملاحقة السراب.
هذا التصوير لا يأتي عفويًا، بل يهدف إلى توجيه الإدراك السياسي. فهو لا يريد أن يكون الأكراد أسرى الشعارات، بل فاعلين في معادلة السياسة. إنه لا ينكر وجود تحديات، لكنه يرفض أن يكون الحل في المواجهة المباشرة، بل في بناء الجسور وإيجاد المساحات المشتركة. بهذا، يعيد تشكيل صورة الصراع، لا كمعركة صفرية، بل كحالة تفاوضية تحتاج إلى ذكاء سياسي.

4) الخطاب كأداة للسلطة:
حين يتحدّث الرئيس البارزاني عن الحوار، فهو لا يدعو فقط إلى أسلوب معين، بل يضع نفسه في موقع المرجعية. إنه لا يوجه رسائل فقط إلى القوى الخارجية، بل أيضًا إلى الداخل الكردي، حيث يسعى إلى ترسيخ فكرة أن القيادة الحقيقية هي تلك التي تفهم تعقيدات السياسة، والتي تعرف كيف تتعامل مع المتغيرات بحكمة.

بهذا المعنى، يصبح الخطاب ليس مجرد تحليل سياسي، بل أداة للسلطة. إنه لا يصف الواقع فقط، بل يسعى إلى تشكيله. فهو لا يترك المجال مفتوحًا لكل الخيارات، بل يدفع باتجاه معين، ويجعل منه الخيار الأكثر عقلانية وواقعية. بهذه الطريقة، يتحول الخطاب إلى فعل سياسي بحد ذاته، إلى وسيلة لتحديد المسار، ولإعادة ترتيب مواقع الفاعلين في المشهد.

5) بين الخطاب والواقع:
هذه المقابلة ليست مجرد حديث سياسي، بل هي عملية إعادة تشكيل للإدراك السياسي. من خلال اختيار كلماته، وتحديد أولوياته، ورسم صورة الأطراف المختلفة، يتمكّن الرئيس مسعود بارزاني في توجيه النقاش نحو مسار محدد. إنه لا يفرض رأيًا بشكل مباشر، لكنه يجعل خيارات معينة أكثر منطقية من غيرها، ويضع إطارًا للحوار لا يمكن تجاوزه.