البارزاني وكسر الجليد

البارزاني وكسر الجليد

احمد آلوجي

تعيش القضية الكوردية لحظة سياسية معقدة، تتقاطع فيها السياسة المحلية مع السياسات الإقليمية والدولية، وتتوزع أوراقها بين ثلاث ساحات رئيسية، العراق وسوريا وتركيا. وفي هذا السياق المتشابك، برز مجدداً اسم الرئيس مسعود البارزاني، ليس بوصفه فاعلاً محلياً ضمن إقليم كوردستان، بل كأحد صناع التوازنات في المشهد الكوردي المتعدّد الأقطاب. هذه العودة لا تعني بالضرورة تصعيداً لدور جديد، بل استعادة تدريجية لوظيفة سياسية لطالما لعبها البارزاني في إدارة العلاقات الكوردية ــ الكوردية، وفي التوسط غير المباشر بين الأطراف الكوردية والدول ذات الصلة.
منذ بداية عام 2025، فرضت التطورات الإقليمية المتلاحقة إيقاعاً جديداً على ملف الكورد. التوتر المتصاعد في لبنان، الانهيارات في اليمن، التصعيد في فلسطين، وأخيراً التحولات الدراماتيكية في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، أعادت القضية الكوردية إلى طاولة الاهتمام الدولي، ودفعت القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، إلى البحث عن قنوات كوردية يمكنها ضبط الإيقاع المحلي بما يتوافق مع الأهداف الدولية في الحد من الفوضى، واحتواء النفوذ الإيراني والتركي.
في هذا المناخ، تحولت هولير مجدداً إلى نقطة ارتكاز. الحضور السياسي المستقر للحزب الديمقراطي الكوردستاني، بقيادة الرئيس مسعود البارزاني، والعلاقات الدبلوماسية المتراكمة لحكومة إقليم كوردستان خلال العقدين الماضيين، جعلته شريكاً قابلاً للتعامل في أعين الفاعلين الدوليين. ويُقرأ انعقاد كونفرانس وحدة الصف والموقف الكوردي في مدينة قامشلو في نيسان 2025 كجزء من هذه العودة المنظمة لدور البارزانيين، ليس من باب القيادة السياسية الرمزية فحسب، بل كمظلة تفاهم يمكن أن تجمع الأطراف المتباينة داخل الحركة الكوردية في كوردستان سوريا.
الأمر لا يقتصر على الساحة السورية فقط، ففي تركيا تتزايد المؤشرات على نضوج ظرف سياسي جديد يعيد فتح ملف التسوية بين الدولة التركية وحزب العمال الكوردستاني، بعد سنوات من الجمود. ومع أن العملية ما تزال في بداياتها، إلا أن الرسائل الصادرة عن قائد حزب العمال الكوردستاني عبد الله أوجلان من داخل سجنه، والتي تشير إلى الرغبة في ادخال البارزاني كطرف ثالث ضامن في المعادلة، استنادا إلى تجارب سابقة لعب فيها هذا الدور.
التحرك الفرنسي الأخير، عبر زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى هولير، ليس معزولاً عن هذا السياق. الرسالة الواضحة من هذه الزيارة هي الاعتراف الدولي بالدور الوظيفي للبارزانيين في ضبط التوازنات الكوردية ـ الكوردية، والتوسط بين الكورد والدول الإقليمية وخاصة الإدارة الانتقالية في دمشق. ولا يمكن فصل هذا التحرك عن مساعي الدول الغربية في بناء شبكة شراكات محلية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار، وتحد من الفوضى التي تسببت بها انسحاباتها العسكرية أو فشل مشاريعها السياسية في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.
لذلك نرى أن الحضور المتزايد للرئيس مسعود البارزاني على الساحة الإقليمية يعكس حقيقة سياسية مفادها أن غياب الأطر التمثيلية المشتركة للكورد، وانقسامهم بين جبهات متباينة سياسيا وأيديولوجيا، يفتح المجال أمام قيادة تمتلك توازنا بين القبول الشعبي والإقليمي والدولي. ويعد دور البارزاني هو الأكثر قدرة على التوسط وترتيب الأولويات الكوردية في سياق إقليمي لا يحتمل الفوضى ولا يسمح بالفراغ.