كوردستان سوريا بين فوضى الأحزاب وضرورات التمثيل السياسي
د.كاميران حاج عبدو
مع اقتراب سوريا من مفترق سياسي جديد، تتصاعد الحاجة إلى تمثيل سياسي كردي فاعل، يتناسب مع ثقل هذا المكوّن وتاريخه. لكن الواقع الحالي للحركة الكردية يعاني من التشتّت والضعف، في وقت تبدو فيه الحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى خطاب موحّد ومشروع واضح.
بعد سقوط نظام الأسد، دخلت سوريا مرحلة سياسية مختلفة، مهما طال الزمن أو حاولت قوى الأمر الواقع تأخيرها. ورغم الانتقادات الكثيرة والمُحِقّة التي نوجّهها إلى «الحكومة المؤقتة» التي تولّت إدارة البلاد دون رؤية واضحة أو مشروع جامع، واستمرارها في ذهنية طائفية وعنصرية تُعيد إنتاج ممارسات النظام السابق، إلا أن عجلة التاريخ لا تتوقف. الشعوب لا تموت، والتغيير، وإن تعثّر، قادم لا محالة.
من هذا المنطلق، من الضروري أن نتهيأ نحن السوريين لمرحلة سياسية جديدة، تقوم على التعدُّدية والتمثيل السياسي الحقيقي، لا على الولاءات الضيقة أو الشعارات الفارغة. لن يكون المستقبل محكوماً فقط بالفصائل المسلحة أو التوازنات الإقليمية، بل سيتشكل بدرجة كبيرة من خلال حجم تمثيل القوى السياسية في الانتخابات ومفاوضات الحل النهائي لسوريا، الذي هو آتٍ عاجلاً أو آجلاً.
في هذا السياق، تبرز مسؤولية خاصة على الحركة الكردية في سوريا، التي عانت لعقود من التهميش والقمع، لكنها دخلت في مرحلة جديدة من التشتّت خلال سنوات الأزمة. فقد تكاثر عدد الأحزاب الكردية في كوردستان سوريا بشكل غير مسبوق، حتى بات من الصعب على المتابع إحصاؤها أو تمييزها، وكلها تتشارك في رفع شعار «الديمقراطية»، دون أن ينعكس ذلك في بنيتها الداخلية أو ممارساتها التنظيمية.
يعود هذا التشتّت الحزبي، في جوهره، إلى عوامل بنيوية عميقة، يأتي في مقدمتها غيابُ الممارسة الديمقراطية داخل البُنى الحزبية ذاتها، وهيمنة النزعات الشخصية والزعامة الفردية على الفعل السياسي، وذلك في ظل غياب إطار قانوني ناظم وآليات محاسبة تنظيمية فعّالة. كما أسهم التمويل الخارجي، إلى جانب الدعم الذي تقدّمه بعض الأحزاب المهيمنة، في تعميق الانقسام، وتحويل عدد من التشكيلات الحزبية إلى أدوات لتنفيذ أجندات لا تنسجم مع المصلحة القومية والوطنية، أو إلى كيانات هامشية تدور في فلك الجهات المموِّلة لها.
إن تفاقم حالة الانقسام الحزبي يضع الأحزاب الكردية الكبرى أمام مسؤولية تاريخية عاجلة، لا تحتمل التأجيل، خاصة في ظل الحاجة الماسّة إلى وحدة سياسية جامعة. فهذا التشرذم، بما يحمله من فوضى وتشظٍّ، لا يخدم قضية شعبنا الكردي، بل يُضعفها، ويجعلها أكثر عرضة للاستهداف من قبل المُتربّصين. ومن هنا، تبرز ضرورة مراجعة شاملة تُفضي إلى اندماجات حقيقية تختزل هذا العدد المتناثر من الأحزاب في ثلاثة تيارات رئيسية تعبّر بصدق عن الطيف السياسي الكردي. وتقع المسؤولية الأكبر على عاتق الأحزاب الرائدة، التي تمثل الأعمدة الفعلية في المشهد، إذ لا ينبغي أن تتعامل مع التشكيلات الصغيرة كتوابع أو أدوات، بل أن تحتضنها بروح وطنية ومسؤولية أخلاقية، كما تحتضن الأم أبناءها. فنجاح المشروع السياسي الكردي لا يُبنى على الهيمنة أو الاستتباع، بل على تأسيس وحدات تنظيمية ناضجة، قوامها التفاهم والتكامل، في خدمة رؤية كردية موحدة تعبّر عن تطلعات شعبٍ يستحق الأفضل.
إذ لا يوجد أي مبرر سياسي أو أخلاقي لبقاء هذا العدد الكبير من الأحزاب التي تُعلن انتماءها إلى التيار «البارزاني»، أو تلك التي ترفع شعار «استقلالية القرار الكردي»، في الوقت الذي تفتقر فيه إلى مشروع سياسي فعلي أو قاعدة تنظيمية يُعتد بها. فالانتماء السياسي الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بمدى الالتزام الفعلي بالمشروع الذي يُفترض أن تمثله هذه الأحزاب. وإذا كان هذا الانتماء صادقاً، فإن المسؤولية تقتضي السعي الجاد نحو التوحّد ضمن إطار جامع وشامل، بدلاً من الاستمرار في تشكيل كيانات هامشية لا تتجاوز كونها أرقاماً إضافية في مشهد سياسي متشرذم، يعيد إنتاج الطروحات ذاتها، ويُضعف الموقف الكردي في لحظة مفصلية من تاريخ سوريا، بما يصبّ في نهاية المطاف في مصلحة مشاريع التهميش والإقصاء.
المطلوب اليوم هو الدفع نحو عمليات اندماج تنظيمي، لتشكيل أحزاب تمثيلية قوية تعبّر عن أماني ومصالح وحقوق شعبنا الكردي ورؤيته لسوريا المستقبل. فهذا ما يمنح الصوت الكردي ثقله الحقيقي في مفاوضات السياسة والانتخابات المقبلة. فشعبنا الكردي، كما سائر مكوّنات الشعب السوري، لم يعد بحاجة إلى «حزيبات» صغيرة متنافسة، ولا إلى عشرات الأحزاب التي تكرّس الانقسام وتدّعي تمثيل تيارات كبرى. بل هو بحاجة إلى كيانات سياسية ناضجة، راشدة، جماهيرية، تمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً، وتدافع عنه في الميدان السياسي بكل مسؤولية وجرأة.
ويبقى الأمل معقوداً على جيل جديد من الفاعلين السياسيين، المؤمنين بأن توحيد الصف الكردي ليس خياراً بل ضرورة وطنية، من أجل بناء سوريا ديمقراطية تعدُّدية، يُقرّ فيها بحقوق شعبنا الكردي القومية المشروعة، استناداً إلى ما نصّت عليه المعاهدات والمواثيق الدولية، وعلى رأسها العهدان الدوليان الخاصان بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والمتعلّقان بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها والتمتع بهويتها الثقافية والسياسية.
إنّ فشلَنا في ذلك يعني تفويت فرصة تاريخية قد لا تتكرر، ويُبقي شعبنا أسير الهامش في معادلة سياسية لا ترحم الضعفاء.