مقاربة الرئيس البارزاني للقضية الكردية السورية في سياق التوازنات الإقليمية

مقاربة الرئيس البارزاني للقضية الكردية السورية في سياق التوازنات الإقليمية

آزاد وادي

تشهد الساحة الدبلوماسية تحركاً متصاعداً ونشطاً وواعياً من قبل قيادة إقليم كوردستان، بقيادة الزعيم الكردي مسعود البارزاني، في إطار جهودها المتواصلة لدعم القضية الكردية السورية والسعي لإيصال صوت الكرد السوريين إلى المحافل الدولية. ولا يُعد هذا الدور مجرد رد فعل سياسي آني، بل هو امتداد طبيعي لمسيرة نضالية طويلة، تبنّتها عائلة البارزاني في الدفاع عن حقوق الكرد في الأجزاء الأربعة من كردستان، انطلاقًا من التزام قومي وإنساني أصيل.

وفي الأشهر الأخيرة، نشطت الدبلوماسية الكوردستانية عبر لقاءات رفيعة المستوى مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين، إلى جانب تعزيز العلاقات مع فرنسا، التي تُعد من أبرز الداعمين للقضية الكردية. وفي هذا السياق، استغلت القيادة الكوردستانية علاقاتها الوثيقة مع دول عربية، ولاسيما الخليج والأردن، لتسليط الضوء على قضية الكرد في غرب كوردستان. حيث تسعى إلى كسب دعم إضافي من هذه الدول وإيجاد حلفاء عرب يعبرون عن تضامنهم مع حقوق الكرد في غرب كوردستان في سوريا المستقبل، بالنظر إلى احترامهم الكبير لعائلة البارزاني، التي تمثل نموذجاً من الحكمة والاستقرار السياسي. وقد نجحت القيادة، وعلى رأسها الرئيس مسعود البارزاني، في استثمار هذه العلاقات الدولية والعربية لتسليط الضوء على معاناة الكرد ودفع العالم نحو ضمان حقوقهم في المستقبل.

توحيد الصف الكردي في غرب كوردستان: استراتيجية لا تكتيك
ضمن رؤية متكاملة، يقود إقليم كردستان جهوداً حيوية ومستمرة لتوحيد الصف الكردي السوري المتباين، وكان من أبرز ثمارها انعقاد كونفراس سياسي موسّع في مدينة قامشلو، جمع مختلف القوى السياسية والشخصيات المستقلة. وقد جاء هذا المؤتمر امتداداً لاتفاقيات سابقة مثل هولير1و2 ودهوك، التي سعت إلى ترسيخ خطاب قومي موحّد وجامع، يطالب بحقوق قومية وثقافية وإدارية ضمن سوريا ديمقراطية لا مركزية. وكان للرئيس مسعود البارزاني دور محوري في نبذ الاقتتال الكردي–الكردي، والتأكيد على أن وحدة الصف هي الضمانة الحقيقية لنيل الحقوق في ظل الأزمات والتحديات المشتركة.
دعم معرفي وثقافي يعزز الهوية ويكسب الأصدقاء
إلى جانب التحركات السياسية، يبرز التزام إقليم كوردستان بدعم الثقافة والهوية الكردية السورية، حيث شهد معرض أربيل الدولي للكتاب حضوراً لافتاً للكتاب الكرد في غرب كوردستان، ما أتاح لهم فرصة التفاعل مع قرّاء من مختلف الدول. كما نُظّمت ندوات حوارية ومنتديات ثقافية ناقشت مستقبلهم ودورهم في رسم ملامح سوريا القادمة. وواصل الإقليم دعمه لمؤسسات بحثية ومبادرات شبابية تعمل على توثيق الهوية الكردية وتعزيز الوعي المجتمعي. ولم تقتصر الجهود على الداخل الكردي، بل شملت أيضًا دعوة شخصيات عربية سورية وكتاب من مختلف المكونات للمشاركة في الفعاليات الثقافية والإعلامية، الأمر الذي ساهم في بناء جسور التفاهم وكسب أصدقاء جدد للقضية الكردية.
إن هذا الحضور الثقافي لا يُسهم فقط في التعبير عن الذات، بل في ترسيخ الوعي القومي وتقديم صورة حضارية وإنسانية للكرد السوريين في الأوساط الإقليمية والدولية.

عائلة البارزاني: شرعية نضالية ومرجعية موثوقة
تتمتع عائلة البارزاني بشرعية نضالية تاريخية تتجاوز حدود الجغرافيا السياسية، إذ لعبت دوراً محورياً في الدفاع عن حقوق الكرد في العراق وإيران وتركيا وسوريا. وبقيادة الرئيس مسعود البارزاني، المعروف بحكمته السياسية وانفتاحه على الحوار، نجحت هذه العائلة في بناء شبكة علاقات دولية واسعة مع حكومات ومنظمات ومراكز قرار، ما مكّنها من إيصال صوت الكرد في غرب كوردستان إلى المحافل الدولية، وتعزيز حضورهم كقضية أخلاقية وسياسية في آن معًا.

كوردستان – نموذج حيّ للتعايش الممكن في سوريا
تمنح تجربة إقليم كوردستان في التعايش بين المكونات الدينية والقومية، واستقراره النسبي رغم التحديات الإقليمية، مصداقية خاصة لدى المجتمع الدولي. فقد أثبت الإقليم قدرته على ضمان حرية الأديان، وتمثيل الأقليات، واحترام التعددية الثقافية، ما يجعله نموذجاً ملموساً لما يمكن أن تكون عليه سوريا المستقبل؛ دولة ديمقراطية تعددية تُبنى على قاعدة الاعتراف الكامل والمتساوي بحقوق جميع مكوناتها، وفي طليعتهم الشعب الكردي.

خاتمة
إن التحرك السياسي والدبلوماسي الذي تقوده قيادة إقليم كوردستان، وعلى رأسها الرئيس مسعود بارزاني، لا ينبع من مصالح ضيقة أو آنية، بل من رؤية قومية شاملة تراهن على الحوار، وتُوظّف الشراكات الدولية لخدمة قضية عادلة. ومع استمرار هذا النهج العقلاني المتزن، تزداد فرص تحقيق تطلعات الكرد السوريين، ليس فقط في نيل حقوقهم القومية، بل في الإسهام الفاعل ببناء سوريا ديمقراطية حديثة، تُنصف جميع مكوناتها دون تمييز.
وبينما يتعاظم الزخم الدبلوماسي والثقافي، يبقى أمل الكرد معلّقًا على هذا النهج الحكيم، ليكونوا جزءًا فاعلًا في مستقبل وطنهم، لا ضحايا لتقلباته.