التمكين الزائف وصناعة التبعية تحت عباءة الشراكة

التمكين الزائف وصناعة التبعية تحت عباءة الشراكة

تورين شامدين

في ظل الخطابات السياسية والاجتماعية المعاصرة، تُرفع شعارات تمكين المرأة باعتبارها مؤشراً على التقدم والتحضر، ولكن في كثير من الأحيان، لا يتجاوز هذا التمكين كونه شكلياً، مُصاغاً ضمن أطر لا تهدد النظام الأبوي القائم، بل تعيد إنتاجه بصورة أكثر نعومة وخفاء. ورغم أن السطح يبدو مليئاً بالفرص والدعوات لمشاركة النساء في مواقع القرار، إلا أن الواقع يكشف أن التهديد الأكبر الذي يواجه وعي المرأة اليوم ليس القمع المباشر، بل التهميش الناعم المتخفّي تحت عباءة الشراكة الزائفة.
هذا النوع من التهميش يعمل على تجريد المرأة من أدوات الرفض والمواجهة، عبر إيهامها بأنها شريكة في القرار، بينما تُحاصر في مواقع لا تملك فيها سوى القبول والتمثيل الرمزي يتم تقديمها في الندوات، والبرامج، والمبادرات بوصفها نموذجاً لـ"المرأة القوية"، ولكن دون أن تُمنح القدرة الفعلية على التأثير في مراكز صناعة القرار أو صياغة السياسات العامة. إنها مشاركة مشروطة ومحدودة، تُستخدم غالباً لتجميل صورة النظام السياسي أو المؤسسات، وليس لقلب موازين القوة أو إعادة بناء العلاقة بين الجنسين على أسس العدالة والمساواة.
النضال النسوي لا يقتصر على مواجهة القوانين الجائرة أو الأعراف الظالمة، بل يتطلب تفكيك الخطابات المموّهة التي تصنع نساءً مطيعات داخل منظومات تستثمر في الرموز أكثر من الحقوق. الدعوة إلى التمكين لا تكون حقيقية إلا عندما تترافق مع إعادة توزيع حقيقي للسلطة، وإتاحة المجال للنساء للمشاركة في رسم السياسات، لا فقط تنفيذها وفق أجندات ذكورية.
في السياق الكوردي، على الرغم من التقدُّم الذي تحققه النساء في بعض المناطق الكوردية، خاصة في غرب كوردستان وإقليم كوردستان، يبقى التمكين النسوي في الغالب محدوداً ورمزياً أكثر من كونه حقيقياً. ففي غرب كوردستان، ورغم التواجد البارز للنساء إلا أن السلطة الفعلية تبقى بيد القادة الذكور. بينما يُروّج لهذه المشاركة النسوية كعلامة على التقدم، تظل القواعد الأساسية التي تحدد السياسات الكبرى مصاغة بمعزل عن المرأة، مما يجعل تمثيلها في النهاية مجرد وسيلة لتجميل الصورة السياسية.
تُستخدم هذه المشاركة النسوية الشكليّة لتعزيز صورة النظام أمام المجتمع الدولي، دون أن تؤدي إلى تحولات حقيقية في توزيع السلطة أو القدرة على التأثير في اتخاذ القرارات الاستراتيجية. كما أن بعض الحركات الكوردية تسوّق فكرة تمكين المرأة كجزء من مشهد ثوري، في حين أن دورها الحقيقي يبقى محصوراً في أطر معينة لا تتجاوز خطط السلطة الذكورية.
تقول المفكرة النسوية جوديث باتلر في كتابها "التركيبات الجنسانية": "التمكين لا يتجسد فقط في معركة ضد الأيديولوجيات القائمة، بل في كيفية تَشكّل الهيكل السياسي والاجتماعي بطريقة تتيح الفرصة للنساء ليس فقط للمشاركة بل لامتلاك السلطة الحقيقية التي تسمح لهن بإعادة تشكيل النظام". هذه الرؤية تتسق مع الفكر النسوي الكوردي الذي يسعى إلى إعادة هيكلة العلاقة بين المرأة والرجل في ظل النضال السياسي والاجتماعي في المناطق الكوردية.
وبينما يُعتبر تمثيل المرأة في المؤسسات السياسية الكوردية خطوة للأمام، فإن النساء في هذه المؤسسات يواجهن العديد من العوائق التي تقف أمام مشاركتهن الفعلية في اتخاذ القرارات السياسية المصيرية. فحتى في حال وجود تمثيل نسوي في الحكومة أو البرلمان، تبقى المرأة بعيدة عن الدائرة الحقيقية لصنع القرارات، إذ تظل التوجُّهات الكبرى تحت سيطرة القيادات الذكورية. هذا الأمر يُظهر كيف يمكن للخطاب النسوي أن يُستغل ضمن حدود استراتيجية تتجاهل التغيير الفعلي في بنية السلطة.
إن المعركة النسوية الحقيقية لا تكمن فقط في المطالبة بالتمثيل، بل في ضرورة تفكيك البُنى المؤسسية التي تُعيد إنتاج التبعية من خلال الشراكة الرمزية. كما تقول سيمون دي بوفوار في كتابها "الجنس الآخر "لن تكون هناك مساواة حقيقية إلا عندما نتمكن من أن نعيش في مجتمع حيث تُوزع السلطة بطريقة تضمن المشاركة الفعالة والمتساوية لجميع الأفراد، بغض النظر عن جنسهم".
هذه الرؤية تشكل أساساً لفهم العلاقة بين النساء والسلطة في المجتمعات الكوردية اليوم. إن إدراك خطورة هذا التهميش الناعم يُعدُّ خطوة أساسية في بناء وعي نسوي راديكالي لا يقبل بأنصاف الحلول، ولا ينخدع بالتمثيل الرمزي، بل يطمح إلى تغيير جذري يُفضي إلى مساواة حقيقية، قائمة على تقاسم فعلي للسلطة والمعرفة والمسؤولية. فعندما نتحدث عن تمكين المرأة، يجب أن نتساءل: هل هو تمكين حقيقي يفضي إلى استعادة النساء لسلطتهن؟ أم هو مجرد أداة لتجميل النظام القائم، وتكريس السلطة الذكورية في شكل أكثر نعومة؟
المعركة اليوم ليست فقط مع خصم واضح، بل مع بنية خطابية مخادعة، ترتدي قناع الشراكة وهي تُحكم القبضة على مفاصل القرار. وبين هذا وذاك، تظل المرأة أمام تحد مزدوج: أن ترفع صوتها لا فقط في وجه القمع، بل في وجه التواطؤ المغلّف بلغة التمكين.
في زمن باتت فيه الفردانية مرادفاً للتحرر، والذاتية مقياساً للعدالة، يتهاوى إدراكنا الجمعي أمام سؤال بسيط: هل نفهم ألم الآخر حقاً، أم نُقحمه في مقاييسنا الشخصية؟ الأسوأ من ذلك، أننا نُسقط مرآتنا عليه، نحاكم معاناته من خلال تجاربنا، ونتجاهل السياقات العميقة التي تحكم وجوده. هذا الانفصال عن الواقع يتجلّى بوضوح في تعامل المجتمعات – حتى تلك التي تدّعي التقدم – مع النساء.
بدلاً من أن يُنظر إلى تجربة المرأة ككيان مستقل ومركّب، تُختزل في رمزية سطحية، أو تُقيّد بمقارنة تعسفية مع الرجل. في سوريا، لم تعد المرأة مجرّد ضحية حرب، بل تحوّلت إلى جسد سياسي يُعاقب، ويُصادر، ويُستخدم كرمز، من دون أن يُمنح أبسط حقوق التعبير الذاتي.
الأخطر من ذلك أن بعض التيارات التقدمية ذاتها، التي ترفع شعارات الحرية، تمارس تواطؤاً خفياً عبر خطاب يُحمّل المرأة مسؤولية انهيار المنظومة المجتمعية، بدلاً من مساءلة البُنى الذكورية التي قهرتها تاريخيا.
تشير تقارير "هيومن رايتس ووتش" (2023) إلى أن النساء في بؤر النزاع لا يتعرضن فقط للاعتقال والتعذيب، بل يواجهن انتهاكات متقاطعة تبدأ بالاغتصاب كسلاح حرب، ولا تنتهي بإقصائهن من مواقع القرار السياسي. وعلى الرغم من أن أكثر من 50% من ضحايا النزاعات والنازحين من النساء، فإن نسبة تمثيلهن في مفاوضات السلام لا تتجاوز 13% عالميا، بحسب هيئة الأمم المتحدة للمرأة (2022).
مفارقة تكشف ليس فقط خللاً تمثيليا بل بنية إقصاء ممنهجة تُقصي النساء من كتابة التاريخ وصناعة المصير. ولكن الظلم لا يظهر فقط في المؤشرات الصلبة، بل يتجلى أيضا في اللغة. المقارنات السطحية بين معاناة النساء والرجال، تلك التي تروّج للمساواة الزائفة، تُشكّل عنفا رمزيا فادحا.
كما تقول جوديث بتلر في "الحياة الهشة": "ثمّة إلغاء صامت للآخر، يتم تحت ستار التماثل الوهمي". فالمرأة لا يُعترف بألمها إلا إذا نطقت بلغة الرجل السائد، وتحدثت بمنطقه، وبرّرت وجعها بشروطه. كم من امرأة خُيّرت بين النضال النسوي والنضال الوطني؟ كم مرة طُلب منها السكوت "لئلا تشق الصف"؟
الأدهى أن بعض الثورات، التي تفخر بتحطيم الأصنام، تعيد إنتاج الأبويّة ذاتها داخل تنظيماتها، أحزابها، ومجالسها. التنظيمات التي تستبعد النساء من القرار، أو تستخدمهن واجهات للشرعية الدولية، لا تختلف كثيرا عن النظام القمعي الذي تسعى إلى إسقاطه.
حين تُقصى النساء من الفعل السياسي، تُقصى الديمقراطية ذاتها. ما نحتاجه اليوم ليس فقط تمكيناً شكلياً للمرأة، بل يقظة نسوية سياسية تعيد تعريف النضال نفسه. وعي يعترف بأن المرأة ليست ظلا للرجل، ولا بديلاً عنه، بل ذات مستقلة تمتلك شرعية التجربة وشرعية التغيير.
تحرُّر الشعوب لا يكتمل إلا بتحرُّر النساء، لا من القيود وحدها، بل من الخطاب الذي يعيد إنتاج التبعية تحت مسمّيات نبيلة. في لحظة تاريخية مفصلية كالتي نعيشها، يصبح أول شرط للعدالة أن نكف عن إسقاط مرآتنا على الآخر. أن ننصت لا لنتكلم بعدها، بل لنفهم.
أن نبني مشروعنا السياسي بمنطق الشراكة الحقيقية التي تعني تقاسم القرار والمسؤولية والتأثير، لا توزيع الأدوار والصور. شراكة تُبنى على الاعتراف المتبادل، لا على التمثيل الرمزي. شراكة تقود نحو مجتمع تحرري، لا مجرد سردية تحررية.