الإعلام السوري والدفع نحو الخطوط الحمر من جديد
زينه عبدي
هل من المنطق بعد سقوط المنظومة الأسدية تكرار سيناريو الإعلام نفسه في تعامله مع القضايا عديدة الحساسية؟ وهل هو فرض عين على الإعلام أن يمارس المعايير التي تملي عليهم اعتقاداتهم العشوائية(دون النظر فيها إن كانت مناسبة وصحيحة مهنياً أم لا) بمنأى عن المعايير المهنية والأخلاقية العالمية؟ أم أنه باتت وراثة التقليدية من الأنظمة المستبدة والالتزام بها معيارا إعلاميا وصحفياً صريحاً لا يجوز المساس به إطلاقاً، وبمحض الإرادة معلَّقاً بالخيط الأزلي للإعلام والمتهالك بعينه، إلا أنه يتم تحديثه حسب الرؤى التي تتوافق مع ما يرونه الأنسب لفكرتهم وكلنا يعلم الفكرة لا تموت!؟.
حالة العمل الإعلامي والصحفي التي يتم العمل بها وعليها الآن خارجة عن سياق المعايير المهنية الصحية والسليمة إلا ما ندر في ظل التشرذم الذي يسود بنيته التحتية المبادة، وهذا ما كنا نخافه صحفيات وصحفيين، والذي سيدفع بنا وبجدارة ممارسة عملنا الصحفي أو الإعلامي بالطريقة ذاتها كما سبق نفتقد فيها إلى المهنية، وهذه تعتبر من أعقد الأمور ما أمكن العمل به واخطرها على مستقبل الصحافة والإعلام لطالما حلمنا به بالمشهد الذي نبتغيه، وهذا ما يجبرنا وبصلاحيات لم يسبق لها مثيل أداء دورنا التقليدي المبني على الخوف والتخوف من القمع دون إحداث أي تغيير جوهري يحترم المعايير المهنية والأخلاقية والالتزام بهما لتحقيق أدنى قدر من المسؤولية تجاه نقل الحقيقة وإيصال رسالتنا الصحفية والإعلامية بعيداً عن مص دماء حريتها والتي تتنافى مع الوجود الحقيقي للحدث وتغطيته.
أؤكد أنه لا حياد في الصحافة إطلاقاً، ولكن استخدامنا وتغطيتنا صحافةً وإعلاماً للأحداث بأساليب نكرة جداً تنافي القيم والمبادئ والمعايير الصحفية وتوظيفها لصالح الاستقطابات الأيديولوجية والسياسية يعتبر أمرا مرفوضا إعلامياً ومجتمعياً، وبالتالي الخسارات المهنية تتوالى واحدة تلو الأخرى سيما مصداقيتها التي هي عماد بنائها أولاً وأخيراً، وحالما نفقدها لن يربطنا بهذه المهنة أي رابط أو صلة وصل مهما تعددت فرص العمل بها على مدار قرون والتي تمنح كما العادة المؤسسة او الصحفي شهادة خبرة في المجال.
على الإعلام أن يدرك حقا أسباب توجههم وموالاتهم لسلطة الأمر الواقع وماهية تخبطهم الحقيقي الذي يخلق أزمات فعلية تفتك بالمجتمع كما قضية "ميرا ثابت"، والذي بدوره يشكل انطباعا سلبياً عن هذه السلطة كما كان في العهد السابق والذي كان مقبوعا ومقموعا ورهن إشارة للسلطات الأمنية، كما ويتوجب التمايز والتميز في ممارساتهم الصحفية والإعلامية والبدء بتغييرات جذرية كما تمت العهود منذ شهر يناير الماضي، والتي كانت متبلورة ع أسس طائفية كما تغطية قضية تعرض طلبة دروز من السويداء للاعتداء في حمص بتاريخ 28 نيسان الفائت، والتي شكلت بدورها شرخاً شاسعاً في الوسط الصحفي والمحلي وهذا ما يجعلهما هشاً سهل تفتيتهما وبأبسط الأدوات وبالتالي فقدانهما لقيمتهما.
على مدار أربعة عقود من الاحتكار المستمر للعملية الإعلامية وإضفاء طابع وصبغة أمنية عليها يفرض الآن على البيت الصحفي أو الإعلامي الداخلي ترتيب أوراقه في المرحلة الآنية والتي زادت فيها وتيرة الاستقطاب بل وزادت حديتها في أروقة المجتمع السوري في ظل حملات ممنهجة تحاك ضد فئات أو طوائف معينة وهذا ما عززه الإعلام عبر بث رسائل منمقة بعبارات مناطقية وإقصائية وطائفية مشحونة بخطاب كراهية يؤلم حد الانهيار بتجاوزه للتنمر إلى التبرير الكامل لسفك الدماء والتحريض على كل من يحاول قول الحقيقة أو نطق كلمة "لا".
الغياب الكامل لملامح الإعلام السوري الجديد وما يرافقه من فوضى وقلق وغياب الثقة بينه وبين الجمهور وبينه وبين جميع العاملين فيه يشكل حلقة ضعف له كما كان التوظيف الدعائي مسبقاً، وهذا ما يفرض عليه وضع استراتيجية شاملة لإصلاح ما تبقى وإعادة هيكلته أولاً والعمل على صياغة رؤى جديدة بأطر مهنية وقانونية وتنظيمية تناسب العمل ضمن المجال بما يتواءم لاسيما مع الثورة الرقمية التي باتت جزءاً أساسياً منه ثانياً، كما ويجب أن تضمن هذه الرؤى ترسيخ وتعزيز لما يسمى بالثقافة الصحفية والإعلامية لدى الصحفيات والصحفيين بصورة عميقة لتدارك وتجنب الفهم الخاطئ لمفهوم الإعلام والصحافة وتجنيبهما الممارسات غير المهنية وخاصة تلك المرتبطة باستغلالها كأداة وفق ما تقتضيه مصالح السلطة أو بعض الشخصيات الاعتبارية سيما التي تمولهما.
إطار الإعلام السوري الجديد لم يعد مقبولاً منذ سقوط النظام وإلى الآن رغم محاولته الإظهار والتظاهر بصورة ممزوجة بالحرية، إلا إن صلب القضية أعقد مما نتخيل وحالما يقع حدث ما لا نشاهد سوى التطبيل والموالاة بنمطية فظيعة محملة برسائل تبث في نفس الصحفية والصحفي الرعب وهذا ما يجعله في تخبط من أمره أثناء أدائه عمله الصحفي، الأمر الذي يضع سقفاً لتحركاته المهنية المأزومة مع مراعاته للخطوط الحمراء التي يتم وضعها من قبل سلطة الأمر الواقع بل والالتزام بها بات فرض عين.
نحن نفتقر الآن إلى تأسيس إعلام وصحافة يستند على محتوى ذا تنوع يوافق رسالة الإعلام الحقيقية، والخطاب الإعلامي العام الموحد بدلاً من الخطاب المضاد الذي يؤدي بدوره الوقوع في فخ التضاربات المهنية التي تشتت الجمهور، وبالتالي ضياع البوصلة الاحترافية الحقيقية للإعلام لتكون على الضد من حقيقة الأحداث، وبالتالي شراء الذمم وتصبح الفضائح المهنية مستشريةً ومتفشية، ناهيك بالعمل المؤسساتي الغارق في الهدم ضمن المؤسسات الإعلامية وسفك دماء استقرارها.
ويبقى السؤال الذي يبادر بنفسه ويصول ويجول على الدوام في أذهاننا، هل الإعلام الجديد سيتقبل منا نحن الصحفيات والصحفيين النقد بشكل واضح دون الالتفاف عليه في محاولة منه لطيه بالكتمان والتستر ورفضه للتضيق على حرية الرأي والتعبير بعيدا عن الديمقراطية، أم أنه سيفكر بطريقة أخرى يلملم شتاته والصحافة وبالتالي توسيع هامش الحريات ومساعدة الفضاء الخاص به في ممارسة دوره الرقابي على اعتبارها السلطة الرابعة، واتخاذ خطوات جدية وجديرة تتطلب قفزات نوعية تدريجياً للوصول إلى مسار العملية الإعلامية النزيهة والحرة التي نريده باعتبار أن الصحافة الحرة هي إحدى أهم الركائز الأساسية للتحول والانتقال الديمقراطي.