مؤتمر قامشلي والرؤية المشتركة.. بداية صياغة الدور الكوردي في سوريا المستقبل

مؤتمر قامشلي والرؤية المشتركة.. بداية صياغة الدور الكوردي في سوريا المستقبل

عزالدين ملا

في خضم المشهد السوري المتشابك، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية فوق تراب بلد أنهكته الحروب والانقسامات، يبرز التنافس بين تركيا وإسرائيل كعنوان جديد لصراع النفوذ، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة أن ترسم خطوط تسوية تُرضي الطرفين، وتكبح جماح إيران وأذرعها المنتشرة في الجغرافيا السورية والشرق الأوسط. هذه التحوّلات الكبرى، وما تحمله من ارتدادات على الواقع الداخلي السوري، أعادت الملف الكوردي إلى الواجهة، لا بوصفه أزمة مؤجلة أو ورقة ضغط، بل كمكون أصيل يسعى اليوم لتحويل المظلومية التاريخية إلى مشروع سياسي جامع.
وسط هذه الفوضى الإقليمية والمقايضات الدولية، أطلق الكورد في سوريا رؤيتهم السياسية المشتركة خلال مؤتمر عُقِد في مدينة قامشلي، معلنين تجاوزهم للخلافات الداخلية وواضعين المصلحة الكوردية العليا في صدارة أولوياتهم. جاءت هذه الرؤية لتعبّر عن طموح قومي مشروع، مندمج في إطار وطني سوري أوسع، يؤكّد على وحدة البلاد، ويطالب بعدالة الحقوق ضمن خصوصية المكوّن الكوردي.
إن هذه اللحظة السياسية التي يعيشها الكورد في سوريا، بكل ما تحملها من آمال وتحديّات، تفتح الباب لأسئلة كبرى حول الدور الكوردي في مستقبل سوريا، وحول كيفية صياغة عقد اجتماعي جديد يُنهي عقود التهميش، ويؤسس لعدالة وطنية شاملة.

1-كيف يمكن للكورد في سوريا البناء على الرؤية الكوردية المشتركة لضمان تمثيلهم السياسي العادل في أي تسوية مستقبلية للصراع السوري؟
2-إلى أي مدى تستطيع القوى الكوردية في سوريا الحفاظ على وحدتها الداخلية في ظل الضغوط الإقليمية المتزايدة ومحاولات الاختراق من قبل قوى خارجية؟
3-ما هي فرص وقيود التوافق الكوردي-العربي بشأن صياغة دستور جديد يضمن حقوق جميع المكونات؟
4-كيف يمكن للملف الكوردي أن يتحوّل من مجرد ورقة تفاوضية في يد القوى الدولية إلى مشروع وطني فاعل داخل سوريا الجديدة؟
5-ما هو الدور المنتظر من القوى الكوردية في بناء سوريا ما بعد الأسد؟ وهل تمتلك مشروعا سياسيا واقتصاديا وأمنيا متكاملا لمواجهة تحديات المرحلة الانتقالية؟

وحدة القرار الكوردي.. الطريق الأقصر نحو الاعتراف والشراكة
تحدث كفاح محمود المستشار الإعلامي لمكتب الرئيس مسعود بارزاني لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «في خضم النضال والكفاح المسلح في ثورة أيلول لم يغلق الكورد وزعيمهم البارزاني الباب أمام العدو للتفاوض والحوار، فكيف إذا كان منافسك السياسي أو خصمك السياسي كوردياً مثلك يحمل ذات الأهداف، وإن اختلف معك في الوسائل، بهذه المقدمة الموجزة أؤكد أن وحدة الهدف هي الأساس في توحيد المواقف وإن اختلفت الوسائل والأدوات التي تحقق ذلك الهدف.
وعليه كلما أردنا تحقيق مكاسب أعظم لشعبنا توحدنا حول الهدف الذي لا يختلف أحد فيه، في دمشق ينتظرون وفداً كوردياً واحداً يمثل الشعب الكوردي وليس الأحزاب الكوردية، وهذه رسالة واضحة للجميع».
يتابع محمود: «إنه طالما كانت المؤثرات الأجنبية تعمل على زيادة المساحات والمسافات بين القوى الكوردية ليس في سوريا فحسب وانما في الأجزاء الأربعة، ولذلك أرى أن الالتفاف حول الهدف المشترك والمصالح العليا لشعب كوردستان وأرضها هي الجدار الذي لا يمكن اختراقه.
العالم أصبح قرية صغيرة وفضاء التواصل لم يُبقِي حدوداً، ومن هنا لا قطيعة مع العالم القريب والبعيد العدو والصديق، ولكن تحت مظلة مصالح شعبنا ووطننا».
يؤكد محمود: «إلى أنه كلما كان الملف الكوردي صادر من تحالف كوردي يضم كل القوى التي ناضلت من أجل الهدف المشترك للكورد وإن اختلفت في أدواتها وأفكارها، كانت المسافة لتحقيق الهدف أقصر وفعل ذلك التحالف أقوى تأثيرا وفعالية».
يشير محمود: «إلى أن الوضع في سوريا يمر بمخاض عسير، وصراع خفي بين قوى متطرفة ما تزال تمارس عملها كمعارضة وبين تيار يحاول الانتقال من مرحلة المعارضة المسلحة الى مرحلة الدولة وبنائها.
هذه الفترة لا يمكن تقييمها بسرعة، الأهم برأيي هو دعم تيار الدولة والتوافق معه على بناء دولة حديثة تؤمن بحقوق الآخرين، وبنظام مؤسساتي قائم على دستور متفق عليه يحترم، ويحفظ حقوق المكونات في دولة مواطنة حقة.
المشروع الوطني لا تستطيع قوة سياسية لوحدها في تحقيقه بل يحتاج إلى إجماع يضمُّ القوى المؤمنة ببناء دولة المواطنة التي تضمن حقوق مكونات شعبها».
يضيف محمود: «إن القوى الكوردية تحتاج اليوم إلى تكثيف الحوارات والعلاقات مع كافة شرائح المجتمع السوري ومع الجمعيات والاحزاب والقوى الاجتماعية لتهيأت أرضية ومقبولية لبرنامجها الوطني بحيث تكون مقدمة لبدء تفاوض عميق مع النظام الجديد مدعومة بنتائج تلك الحوارات والعلاقات مع الفعاليات الاجتماعية والسياسية السورية، بذلك أعتقد سيكون برنامجها وملفها أكثر قوة وتأثيراً.
يختم محمود: «النقطة الأهم تكمن هنا، هل لديها فعلاً مشروعٌ وطنيٌّ يقنع الآخرين أيضًا، ولا يتقاطع مع الهدف الأسمى للكورد في سوريا بمعادلة وطنية موزونة وواقعية بعيداً عن الشعارات والمطالب المُعقّدة، والعمل بالممكن المتحقق في ظروف المرحلة الحالية وتطويره مستقبلاً، ولكن على أساس دستوري واضح لا لبس فيه بما يتعلق بحقوق الكورد كشريك أساسي في الوطن والدولة والنظام السياسي».

الكورد يوحّدون صفوفهم لمفاوضة دمشق برؤية وطنية شاملة
تحدث عضو الهيئة السياسية لحزب يكيتي الكوردستاني- سوريا، فؤاد عليكو لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «لم تمضِ أسابيع على سقوط النظام على يد تنظيم هيئة تحرير الشام (هتش)، حتى كتبت منشوراً على صفحتي المتواضعة، ذكرت فيه:“نحن نمرّ بمرحلة تاريخية مفصلية، لذلك يتطلب منا جميعاً ترك خلافاتنا الحزبية جانباً، والاتفاق على رؤية سياسية شاملة تتعلق بالحقوق القومية للشعب الكوردي، وشكل الدولة السورية القادمة، ومن ثم الذهاب بوفد مشترك إلى دمشق بغية الدفاع عن حقوق شعبنا بموقف موحّد، وإلا فإن التاريخ لا يرحم أحداً منا.” وقد لاقى هذا المنشور استحساناً كبيراً من المتابعين، كما نال نقداً وعتاباً من بعضهم، واعتبروه نوعًا من “التكويع” في الموقف.
كما طلبتُ في إحدى مقابلاتي من السيد مظلوم عبدي، قائد قسد، التقاط هذه اللحظة التاريخية، والتواصل مع الرئيس مسعود البارزاني لإيجاد مخرج للوضع الراهن، لقناعتي بأنه الأقدر على القيام بهذه المهمة لما يحظى به من ثقل كوردستاني وإقليمي ودولي.
ولم تمضِ إلا أيام قليلة حتى دعا الرئيس مسعود البارزاني رئاسة المجلس الوطني الكوردي لزيارته، وطلب منهم العمل على توحيد الموقف الكوردي في هذه المرحلة التاريخية. ثم تبِع ذلك بأن أرسل مبعوثه الخاص، الدكتور حميد دربندي، إلى السيد مظلوم عبدي، وأعقب ذلك زيارة السيد مظلوم عبدي لفخامته في هولير.
وهكذا، تكللت جهود الطرفين، وبدعم أمريكي/فرنسي مشترك، بالنجاح في الاتفاق على رؤية مشتركة، وعُقد المؤتمر التاريخي تحت عنوان “كونفرانس وحدة الموقف والصف الكوردي” في 26/4/2025، حضره معظم أحزاب الحركة الكوردية في سوريا، ومنظمات المجتمع المدني، وشخصيات وطنية مستقلة، بالإضافة إلى ضيوف من كوردستان العراق وتركيا.
وقد اعتُبر هذا المؤتمر نقطة تحوُّل تاريخية، إذ لأول مرة يتفق الكورد بهذا الحجم الكبير على رؤية موحدة (كوردية وسورية شاملة) للتعامل مع السلطة في دمشق. وهذا يُعد حجر الأساس للبناء عليه وقطع الطريق أمام الذين يريدون الالتفاف على الحقوق الكوردية الحقيقية، من خلال استمالة بعض ضعاف النفوس من الكورد وإرضائهم بالفتات».
يتابع عليكو: «إن هذا الموقف الموحّد شكل نقطة قوة كبيرة للكورد في مواجهة التحديات القادمة في الحوار مع السلطة الجديدة. ولن تستطيع أية جهة خارجية المسّ بهذا التوافق، لأنه يعبر عن تطلُّعات الشعب الكوردي بأسره. كما أن أية قوة كوردية تحاول التنصُّل منه ستواجه بردّ فعل شعبي كبير.
وعليه، فأنا مقتنع بضرورة الحفاظ على هذا الموقف الموحّد في هذه المرحلة، مرحلة استحقاق الحقوق الكوردية، وبعدها يمكن لأي طرف سياسي التعبير عن وجهة نظره الخاصة، كما هو الحال في أي مجتمع له تبايناته السياسية الداخلية وبرامجه الخاصة».
يضيف عليكو: «أنا متفائل بأن هذه الرؤية الكوردية الشاملة لسوريا الجديدة ستلقى ترحيبًا من قِبل العديد من القوى السورية العربية العلمانية واليسارية والليبرالية، وكذلك من المكوّنات السورية الأخرى، كالعلويين والدروز والمسيحيين، لأن جميع هذه القوى تطالب بدولة تعدُّدية، ديمقراطية، برلمانية، حيادية تجاه الأديان، وترفض منطق الهيمنة والسيطرة من خلال القوة العسكرية.
كما أن الجميع متفقون على ضرورة أن تكون الدولة لامركزية، ويختلفون فقط على توصيفها. فمنهم من يقول بـ"اللامركزية الإدارية"، وبعضهم يضيفون عبارة "الموسعة" إليها، وهم الغالبية. ومنهم من يطالب بـ"اللامركزية السياسية" الأقرب إلى الدولة الاتحادية، ومعظمهم من المكوّنات السورية غير السنية، كالعلويين والدروز، ويشاطرهم الكورد هذا التوجه، خاصة بعد المجازر العشوائية التي حصلت في الساحل السوري في بداية آذار بحق المدنيين على أساس الانتماء الطائفي، والتي كادت أن تتكرر في جرمانا وأشرفية صحنايا، وإن كانت بصورة أقل، خوفاً من التدخُّل الإسرائيلي المباشر، إذ إن الحكومة الإسرائيلية أرسلت تهديداتٍ مباشرةً في حال استمرار الانتهاكات بحق الدروز، وقصفت بعض مواقع النظام بالطيران رداً على ذلك. كما أظهرت بعض أشرطة الفيديو تهديدات مباشرة من المتشددين للكورد أيضا».
يختم عليكو: «من هنا، نفهم التقاء مواقف المكونات الثلاثة في مطالبتهم بدولة لامركزية (اتحادية)، إيمانا منهم بأن الدولة المركزية الحالية وفق الإعلان الدستوري المعتمد ستنتج دولة مركزية سلفية متشددة وقمعية، لا تقل قمعاً عن النظام السابق. وهذا ما يتطلب من الحركة الكوردية أخذ زمام المبادرة الآن، لأنها الأقدر على ذلك اليوم، والتّواصُل مع القوى العربية العلمانية الديمقراطية، ومع العلويين والدروز، بهدف تشكيل تيّار سوري قويٍّ متماسك، وفق رؤية سورية متكاملة وواضحة المعالم.
ويمكن للرؤية الكوردية المتعلقة بالجانب السوري أن تشكل أرضية مقبولة للالتقاء حولها وإغنائها، لتتحوّل إلى رؤية سياسية سورية شاملة، ثم يُعمل بموجبها مع القوى الإقليمية والدولية المهتمة بالشأن السوري. عندها فقط، يمكننا القول إن القوى الديمقراطية السورية ستشكل عامل ضغط كبير لإخراج سوريا من المأزق الذي نعيشه اليوم، والذي قد يتطور إلى مزيد من الفوضى، وربما إلى حرب أهلية، وهذا ما لا نتمناه».

وحدة الصف الكوردي بين الاختبار الداخلي والضغط الإقليمي
تحدث عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، شيركوه كنعان عكيد لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «من نافل القول إنّ على الحركة الكوردية أولاً أن تعمل على تمتين التنسيق بين أطرافها، وألّا تكتفي بمخرجات كونفرانس وحدة الصف الكوردي وكأنّه كان الهدف النهائي والوحيد للأطراف المشاركة فيه، بل يجب أن تُرسم سياسة مشتركة تهدف إلى تعزيز ذلك الموقف وضمان استمراريته في المستقبل. كما لا بد من تعزيز الرؤية الكوردية المشتركة والتمسّك بها، دون تفريط بأيّ من النقاط التي تم التفاهم عليها، بل والإصرار عليها في مواجهة الإدارة الجديدة، التي اتخذت للأسف، وبشكل متسرّع، موقفاً سلبياً من الطرح الكوردي المشترك، وخلقت بيئة غير ودّية سرعان ما تسللت إلى الأوساط الشعبية، وتبنّتها بعض الشخصيات والتيارات المعارضة السابقة، وعبّرت عنها في أكثر من مناسبة. وذلك بالرغم من أن الوثيقة المطروحة تؤكد بوضوح أن الحقوق الكوردية في سوريا ليست مقدّمة لمشروع انفصالي، ولا تشكّل تهديداً لوحدة البلاد، بل إنها جزء أصيل من أي حلّ وطني شامل للتعقيدات السورية المتشابكة. ولا يزال الخطاب الكوردي، لحسن الحظ، يتّسم بالعقلانية والواقعية، مبتعداً عن أي صدام أو تصعيد مع الإدارة الجديدة، مما يُبقي الباب موارباً لأي حوار أو تفاوض مستقبلي. والوصول إلى الرؤية الكوردية المشتركة، رغم أهميته، لا يُعدّ كافياً بذاته لضمان الحقوق والمطالب، بل يُشكّل على الصعيد الداخلي الأساس في بناء موقف متماسك وقوي في أي تسوية سياسية عادلة مستقبلا مع النظام، تُجنّب الأطراف الكوردية الخضوع للضغوط أو الإملاءات.
أما على الصعيد الخارجي، فإن الكورد في كل مكان، كأفراد وتنظيمات، مطالبون اليوم بتسويق مشروعهم السياسي الكوردي والوطني، عبر مضاعفة الجهود الدبلوماسية، والتواصل مع القوى السياسية والدولية الفاعلة، التي تملك أو تتحكم بمفاتيح الحلّ في سوريا. كما أن التمسّك بالعلاقات الأخوية التاريخية مع الأطراف الكوردستانية الحليفة، وعلى رأسها قيادة إقليم كوردستان، يُعدّ من الأولويات الاستراتيجية التي لا يجوز التهاون بها. إذ كان لتلك القيادة دورٌ محوري في تقريب وجهات النظر بين الأطراف الكوردية المختلفة، ما أفضى إلى هذا المكسب التاريخي الهام.
يتابع عكيد: «لا يخفى أن هناك جبهة مشتركة تعمل سراً وعلانية على تقويض أسس التقارب الكوردي-الكوردي والخطاب السياسي الموحّد، الذي بات مصدر قلق للإدارة الحاكمة وحليفتها تركيا، لما قد يمثّله من قوة إضافية للكورد. فتركيا لا تزال ترى في حزب الاتحاد الديمقراطي امتدادا لحزب العمال الكردستاني، وتعتبر أن أيّ تقارب من هذا النوع قد يعزّز جبهة الاتحاد الديمقراطي، ويشكّل تهديداً مباشراً لها، ولذلك لا تتردد في التلويح بالعصا الغليظة، ما لم يتم إخراج عناصر العمال الكردستاني وإبعادهم عن حدودها. وقد أشار السيد أحمد الشرع إلى مخرجات كونفرانس وحدة الصف الكوردي واعتبرها دعوة إلى التقسيم والانفصال، وخرقاً للاتفاق الذي جرى بينه وبين السيد مظلوم عبدي بشكل منفرد.
تشكّل هذه المواقف مجتمعة تهديداً حقيقياً للوحدة الداخلية، التي لم تكتمل أصلاً. ولذلك، فإن التمسك بالحد الأدنى من التقارب الحالي قد لا يكون كافياً لسدّ الثغرات التي قد تتسلل منها الأطراف الرافضة لهذا التقارب. بل لا بد من ترسيخ هذا التفاهم عبر اتفاقات مكتوبة وتعهدات موثّقة، تمنع أيّ طرف من خرقها أو التنصل منها».
يضيف عكيد: «إن فرص التوافق الكوردي-العربي بشأن صياغة دستور جديد يضمن حقوق جميع المكونات، مرهونة بعوامل داخلية وخارجية متشابكة، تصبُّ معظمها في صالح المضي نحو دستور جديد، رغم وجود معوقات حقيقية على الجانبين. وبرغم تلك التحديات، أُرجّح كفة الفرص الإيجابية، على الرغم مما أثارته مصطلحات مثل الفيدرالية واللامركزية من هواجس لدى بعض الإخوة العرب، نتيجة الحملات الشوفينية التي شنّتها أطراف معادية للديمقراطية، وربطت تلك المفاهيم زوراً بمشاريع التقسيم والانفصال. ومع ذلك، فإن نقاط الالتقاء بين الكورد والعرب تفوق نقاط الاختلاف. فالجميع سئم الحروب العبثية، وانعدام الاستقرار، وغياب الديمقراطية. والجميع، تقريباً، يطمح إلى دولة مواطنة تقوم على أسس العدالة والمساواة، دون إقصاء أو انتقاص من حقوق أي مكوّن».
يشير عكيد: «سبق أن ذكرتُ أن وجود رؤية كوردية مشتركة، وجسم سياسي مستقل ومتماسك، يُعد خطوة جوهرية نحو تمثيل مطالب الشعب وحقوقه المشروعة. لكن لا يكفي أن يكون هذا الجسم السياسي حاملا لمطالب قومية فقط، بل ينبغي أن يحمل مشروعاً وطنياً شاملاً، يُسهم في جعل الحركة الكوردية بأكملها كتلة فاعلة ومؤثرة في المشهد السوري عموماً، بل وحتى في الساحتين الإقليمية والدولية، ما دامت لا تخضع لإرادات خارجية. فاستقلالية القرار الكوردي، وتجنّب استخدامه من قِبل أطراف دولية أو إقليمية لخدمة أجنداتها ومصالحها، هو عامل حاسم في كسب احترام ودعم الحلفاء في المجتمع الدولي. أما التبعية، فإنها تُفقد الحركة الكوردية مصداقيتها، وتدفع المجتمع الدولي إلى العزوف عن دعم الملف الكوردي، بما يحمله من مشاريع قومية ووطنية. وهكذا يتحوّل هذا الملف من مشروع وطني إلى مجرد ورقة تفاوضية تُعرض في بازار السياسة ومزادات المصالح، بدلاً من أن يكون تعبيراً صادقاً عن إرادة شعب يتطلع إلى دور شريك في سوريا الجديدة».
يختم عكيد: «إن الحركة الكوردية دخلت منعطفاً جديداً بعد عقد كونفرانس وحدة الصف، والخروج برؤية سياسية موحدة يمكن اعتبارها الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل. لكن توحيد خطاب المطالب لا يعني اننا ككورد أصبحنا نملك مشروعاً سياسياً موحداً، ومع ذلك فان توحيد الخطاب السياسي يمكنه ان يكون منطلقاً لمشروع سياسي جامع، فالأطراف الكوردية تمتلك كل على حدة مشروعها السياسي، لكنها مضطرة إلى إجراء مراجعة شاملة لتلك المشاريع بعد كل تلك التغيُّرات التي مرّت بها الحالة السياسية عموماً وعلى الأخص، سقوط النظام المستبد، والتقارب الكوردي الكوردي، الأمر الذي يجب أن يدفع بكل الأطراف إلى اتّخاذ خطوات غير مسبوقة لرسم مشروع سياسي شامل، ببعديه القومي والوطني، ويتناسب والمستجدات التي طرأت على الأوضاع عامة. وهي إلى الآن لم تدخل بعد في تفاصيل هكذا مشروع، لكننا نأمل أن يتم صياغة وبلورة مشروع سياسي موحّد في المستقبل المنظور، بحيث يمكننا ان نظهر للعالم وللجماهير باننا الكورد نملك مشروعنا السياسي الموحد الذي يختزل مجمل المشاريع المنفردة الأخرى».

القضية الكوردية في سوريا، بين التمثيل الحقيقي والرهان الدولي
تحدث رئيس التيار السوري الإصلاحي، شكري شيخاني لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «الكورد في سوريا جزء لا يتجزأ من مجمل الوجود الكوردي في العالم وخاصة في دول الجوار مثل تركيا والعراق وإيران. والرؤية المشتركة للكورد كشعب واحد متضامن متكامل هو ينعكس على واقع الكورد في سوريا والملف المتعلق بمستقبل الكورد في سوريا، يُعتبر أحد الملفات الهامة التي تُناقش مستقبل الكورد في سوريا في ظل التغيرات السياسية التي تشهدها المنطقة عامة وسوريا بشكل خاص. يركّز هذا الملف على تحليل الأوضاع الراهنة والتحديات التي يواجهها الكورد، بالإضافة إلى استعراض السيناريوهات المحتملة لمستقبلهم في ظل الصراعات الإقليمية والدولية. يسلّط الملف الضوء على أهمية الوحدة والتعاون بين مختلف الأحزاب والفصائل الكوردية لضمان حقوقهم وتحقيق تطلعاتهم، من خلال تقديم رؤى وتحليلات متعددة الأبعاد. يسعى إلى توفير فهم أعمق لوضع الكورد في سوريا وآفاقهم المستقبلية وتكوين رؤية مشتركة حول مجمل القضايا التي ترتبط بالقضية الكوردية في سوريا».
يتابع شيخاني: «إنه بقدر التفاهُم والتمسُّك والتنسيق بين القوى الكوردية في سوريا، يكون بمقدورها أن تنجز مكاسب سياسية عالية، بالإضافة إلى إقامة ندوات ومحاضرات وحوارات فكرية بين النخب الكوردية، لتحديد رؤية موحدة حول الحقوق السياسية والإدارية، واحتضان واستيعاب الكورد في دمشق وباقي المحافظات والتواصل المستمر لزيادة التنوع الفكري والثقافي، ونشر دراسات وأبحاث حول الحلول الممكنة، وإبراز تجارب دولية مشابهة والاستفادة منها كنماذج قابلة للتطبيق في سوريا، وإنتاج محتوى إعلامي توعوي، واستخدام وسائل الإعلام الحديثة لنشر رؤية الكورد في المجتمع السوري والدولي».
يشير شيخاني: «إلى أنه إذا وجدت الفرص المناسبة، إذا تم استغلالها سياسياً ودبلوماسياً بشكل ممتاز فإن القيود سوف تتضاءل وتختفي، وهذا يأتي من خلال، تعزيز التواصل مع المثقفين من المكوّنات الأخرى، وبناء جسور فكرية مع النخب السورية الأخرى لتطوير خطاب مشترك حول المستقبل، والعمل على إطلاق حملات إعلامية متعددة اللغات، ونشر محتوى باللغات العربية بالدرجة الأولى والكوردية والإنجليزية والفرنسية لتعزيز وصول الرسالة الكوردية عربياً وعالمياً، والاستفادة القصوى من كافة وسائل التواصل الاجتماعي، واستخدام المنصّات الرقمية لعرض قضايا الكورد بأسلوب حديث وفعال، ومحاولة إيصال جوهر القضية الكوردية إلى عقول المفكّرين والمثقفين العرب، وتفعيل مؤتمرات الحوار العربي الكوردي، وإنتاج وثائقيات وبرامج مرئية، وتوثيق معاناة الكورد ونضالهم السياسي، وبثّها عبر القنوات الإعلامية الداخلية والعربية، وبناء شراكات مع الإعلام العربي، والتعاون مع صحفيين ووكالات أنباء عالمية لضمان تغطية عادلة للقضية الكوردية، وتدريب الناشطين الإعلاميين الكورد، وتأهيل كوادر قادرة على التحدُّث بلغة عربية صحيحة غير جامدة أو ناشفة، أقصد بلهجة قريبة الى قلوب وعقول العربي وبفعالية وخاصة في الإعلام السوري والعربي، لضمان نجاح فرص التوافق.
يختم شيخاني: «إلى أنه لا بد أن نتعرف على مدى إمكانية الكورد في تعزيز علاقتهم بالمجتمع الدولي وضمان دعم مطالبهم في سوريا. وهنا الرؤى مختلفة ومتنوعة وغنية بالحلول، فمن الممكن جداً عن طريق الدبلوماسية والانفتاح السياسي المدروس، وذلك بتكثيف الجهود الدبلوماسية والانفتاح على القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الروسي) وهذا يمكن أن يعزز الدعم الدولي، خاصة عبر تقديم الكورد كشريك استراتيجي هام في المنطقة من أجل الاستقرار ومكافحة الإرهاب. وتعزيز وتكثيف الوجود في المنظمات الدولية، بعناصر وكفاءات متخصصة لغات وحنكة وأسلوب متميز وليس بعناصر ومحسوبيات للمنفعة الشخصية فقط، ولا مانع من دفع الكورد للتمثيل في المحافل الدولية، مثل الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، وأشدد على ضرورة انتقاء الشخص المناسبة في الخبرة والتعامل بعيداً عن الوساطات وذلك لتسليط الضوء على قضيتهم. ومما لا شك فيه أن العلاقات الإقليمية المتوازنة تعمل على تحقيق التوازن في العلاقات مع الدول الإقليمية (تركيا، العراق، إيران) ضرورية لتجنب عزل الكورد دولياً، وبهذا يمكن القول إننا سننجح في تحويل الورقة الكوردية من مجرد ورقة تفاوضية إلى لاعب رئيسي وهام في مستقبل الدولة السورية الجديدة».