الوثيقة الكردية المشتركة: رؤية شجاعة لبناء سوريا مُوحّدة ومستقبل ديمقراطي

الوثيقة الكردية المشتركة: رؤية شجاعة لبناء سوريا مُوحّدة ومستقبل ديمقراطي

تورين شامدين

في مشهد سوري غارق في الدماء والصراعات على امتداد أكثر من عقد من الزمن، تبرز «الوثيقة الكردية المشتركة» كضوء في نفق مظلم، محاولةً إعادة تشكيل المعادلة السياسية السورية، وتقديم رؤية جديدة للحل الوطني في بلاد مزقتها الحروب والاضطرابات الإقليمية. هذه الوثيقة، التي تحمل في طياتها بذور تحول جاد في المسار التاريخي للصراع السوري، لا تقتصر على تقديم تصورات كردية فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى ملامسة الجروح العميقة التي حفرتها النزاعات القومية والطائفية، محاولة وضع اللبنات الأولى لبناء دولة جديدة قائمة على العدالة والتعددية.
إن الوثيقة الكردية المشتركة لا تمثل مجرد إطار عمل سياسي لفئة معينة أو مكون بعينه، بل هي محاولة لإعادة تعريف مفهوم الدولة السورية المستقبلية. في وقتٍ تتآكل فيه خرائط الدول أمام تصاعد النزاعات الإقليمية واشتداد الصراعات حول السيطرة على منابع القوة والمصالح، تسعى الوثيقة إلى بناء سوريا تكون فيها التعددية القومية والسياسية مصدراً للشرعية، وليس عبئاً على الدولة.
في قلب هذه الوثيقة، يقبع انقلاب هادئ، لكنه عميق في مضمونه، على منطق الصراع القائم منذ عام 2011. بدلاً من الاكتفاء بالركض خلف مطالب التغيير الشكلي في السلطة، تطرح الوثيقة تغييراً جوهرياً في بنية الدولة نفسها، وتدعو إلى الانتقال من الدولة القومية المركزية، التي تحتكر الهوية والسلطة، إلى دولة اتحادية ديمقراطية تعددية لا مركزية.
تستند الوثيقة إلى فكرة أن سوريا لا يمكن أن تكون دولة واحدة تهيمن عليها هوية قومية واحدة، بل ينبغي أن تكون دولة تعددية تحتضن جميع مكوناتها. وطالما عانى السوريون من هيمنة نموذج الدولة القومية الذي استبعد الآخر المختلف سواءً أكان قومياً، دينياً، أو حتى سياسياً. هذا الاستبعاد، الذي تكرّسه أجهزة القمع العسكرية والقومية، كان له الأثر الأكبر في إشعال نار الصراع السوري. لذلك، فإن الوثيقة لا تسعى فقط لتصحيح الخلل في التوازن السياسي في سوريا، بل تهدف إلى إعادة بناء العقد الاجتماعي السوري على أسس جديدة. الأسس التي تعترف بالكرد والعرب والسريان والآشوريين والشركس والتركمان وغيرهم، ليس كأقليات أو مكونات تابعة، بل كشركاء متساوين في وطن واحد.
على الرغم من التحديات الجيوسياسية التي تواجهها القضية الكردية، تتمسك الوثيقة بمبدأ وحدة سوريا جغرافياً وسياسياً. هذه الوحدة، التي تُعتبر أحد الركائز الأساسية للوثيقة، تهدف إلى كبح أي محاولات لفرض التفكك أو تقسيم البلاد. هذا التوجُّه لا يقتصر على اعتراف الكرد بحقوقهم القومية، بل هو أيضاً ردٌّ على الدعاية الإقليمية التي لطالما اتهمت الكورد بالسعي وراء النزعات الانفصالية. بالتالي، يمنح هذا الموقف الوثيقة عمقا وطنيا جامعا يعزز من موقفها في الحوارات السياسية ويعكس عقلانية ورغبة في تجنب التصعيد.
لا تقتصر الوثيقة على تقديم رؤية عامة حول المستقبل السوري، بل تتضمن مطالب دقيقة ومحددة. أبرز هذه المطالب هو اعتماد نظام اتحادي ديمقراطي لا مركزي، حيث تترك التفاصيل الخاصة بتنفيذه لحوار سوري-سوري شامل. هذه المرونة تعطي الوثيقة القدرة على التكيف والتفاعل مع المعطيات الجديدة في أي مفاوضات مستقبلية، مما يزيد من فرص نجاحها في الوصول إلى اتفاقات حقيقية. هي دعوة إلى أن تكون الحلول المستقبلية نتاجا للحوار والتفاوض بين السوريين، وليس مجرد فرض أو تجاذب بين القوى الإقليمية والدولية.
من جهة أخرى، تعتمد الوثيقة على مرجعية قوية تتمثل في ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الدولي. هذا التوجه يهدف إلى منح الوثيقة قوة قانونية دولية تعزّز من مشروعها في أي مسار تفاوضي. كما أن الاستناد إلى القانون الدولي يُعد خطوة استراتيجية في محاولات تأمين الدعم الإقليمي والدولي للمشروع الكوردي. هذا الاعتراف بالشرعية الدولية يجعل من الصعب تجاهل الوثيقة في أي مناقشات سياسية جادة حول الحل السوري، ويضيف إلى قدرتها على كسب تأييد دولي.
في عالم تتشابك فيه المصالح، وتتناقض فيه الأجندات الإقليمية والدولية، تبني الوثيقة لغة عقلانية وواقعية تتيح لها مواجهة التحديات الجيوسياسية بنجاح. فهي تخاطب المخاوف الإقليمية، خاصة تلك المتعلقة بالدور التركي والعربي، من خلال تبنّي مواقف تهدف إلى تهدئة هذه المخاوف دون التنازل عن الجوهر الكوردي، لا تساوم الوثيقة على حقوق الكرد في سوريا، لكنها في ذات الوقت تحاول تجنب التصعيد العسكري أو السياسي الذي قد يضر بالاستقرار الإقليمي.
«الوثيقة الكردية المشتركة» ليست مجرّد ورقة سياسية، هي مشروع لبناء سوريا جديدة قائمة على الشراكة والتعددية والعدالة. هي محاولة جادة لإنقاذ سوريا من مسارها المأساوي، وبداية للانتقال من صراع مستمر إلى عملية بناء وتعمير على أسس جديدة. وعلى الرغم من التحديات التي تواجهها الوثيقة، سواء على الصعيد الإقليمي أو الدولي، فإنها تظل أداة فعالة في إعادة تشكيل المستقبل السوري، وصياغة معادلة تضمن حقوق جميع السوريين، وتعيد رسم خرائط الوطن على أسس ديمقراطية عادلة.
الوثيقة الكوردية المشتركة أكثر من مبادرة سياسية؛ هي نداء لإحياء الحق الكردي في سوريا، ولتأسيس وطن يحتضن جميع أبنائه بلا تمييز أو استبعاد. إنها تمثل الأمل في بناء سوريا جديدة، حيث يكون التنوُّع القومي والديني مصدر قوة وليس تهديدًا. هذه الوثيقة تعكس تاريخ الشعب الكردي الطويل في مقاومة الظلم، وتعتبر خطوة نحو تجاوز عقود من القمع والتهميش، نحو سوريا تكون فيها الحقوق متساوية بين الجميع. وسط الألغام الجيوسياسية التي تفرضها القوى الإقليمية والدولية، تظل الوثيقة الكردية دعوة صادقة للحفاظ على وحدة سوريا جغرافيًا وسياسيًا، دون التفريط في حقوق الكرد والشعوب الأخرى.
إننا نؤمن أن تحقيق هذا المشروع لا يعتمد فقط على النوايا الطيبة، بل على العمل المستمر والمثابرة، وعلى رفض كل محاولات تقسيم الأرض والشعب.
ورغم الصعاب التي قد تواجهها، فإنها تبقى الأمل الحي في أن يعيد الكرد بناء سوريا على أسس من العدالة والمساواة، ليعيش الجميع في وطن واحد، يضمن حقوقهم ويشملهم بالتعايش المشترك والسلام الدائم.