الإسلام السياسي في المنطقة: أزمة الفكر والسياسة
صلاح عمر
منذ عقودٍ مضت، اجتاحت فكرة الإسلام السياسي العديد من المجتمعات العربية والإسلامية، وطرحت نفسها كحل جذري لأزمات المنطقة السياسية والاجتماعية. لكن، ورغم الحماس الكبير الذي صاحب صعود هذه الفكرة، فإنَّ الواقع كشف لنا بمرارة أنّ الإسلام السياسي فشل في تقديم حلول حقيقية تنقذ المنطقة من أزماتها المعقدة. فشلٌ لم يكن نتيجة لعوامل خارجية فقط، بل كان بسبب خلل في المنهج الذي اعتمده الإسلام السياسي، وتبنيه لسياسات التفرد والهيمنة، بدلًا من الشراكة الحقيقية التي تضمن مشاركة جميع مكونات المجتمع في عملية البناء السياسي والاجتماعي.
في العديد من البلدان، نجحت القوى التي تدعي تمثيل الإسلام السياسي في الوصول إلى السلطة، إلا أنَّها سرعان ما اصطدمت بحواجز الفشل، بسبب اعتمادها على تشكيل مؤسسات الدولة من لون واحد، متجاهلة التنوع الاجتماعي الذي تمثلّه القوميات والطوائف المختلفة. وبهذا، أُقصيَّت شرائح واسعة من المجتمع، خاصة الشعب الكردي، الذي ظلَّ مهمشًا بشكل مستمر، رغم دوره التاريخي والحضاري في المنطقة. فما كان يُعتقد أنه وعدٌ بتغيير الواقع وتحقيق العدالة والمساواة، تحول إلى تجربة فاشلة ضاعت فيها فرص التعايش والاحترام المتبادل بين مختلف مكونات المجتمع.
إضافة إلى ذلك، كانت السياسة الإقصائية والاعتماد على القوة العسكرية على حساب الحوار والتفاهم، من أبرز ملامح النظام الذي حاول الإسلام السياسي فرضه على الواقع. فكلما تعمق الفشل في إحداث تغيير حقيقي على الأرض، كلما زادت الهوة بين السلطة والشعب، وأصبحت النخب الحاكمة في حالة من الانعزال عن الواقع المحيط بهم.
ها هي سوريا، التي تعيش في خضم صراع طويل ومعقد، تتعرض اليوم لنفس الأزمة. فالإسلام السياسي الذي بدأ يظهر على الساحة السورية في السنوات الأخيرة، يواجه ذات الإشكاليات التي أفضت إلى فشل التجارب السياسية في دول أخرى. فالتفرد بالحكم، وعدم الاعتراف بحقوق جميع المكونات السورية، يتسبب في المزيد من العزلة والانقسام.
إذا كان الإسلام السياسي قد فشل في تطبيق أفكاره في دول مثل مصر وتونس، فلا يمكن لسوريا أن تكون استثناءً. فالفشل في فهم طبيعة الشعب السوري المتنوع واختلافاته العميقة هو الطريق المضمون نحو المزيد من التفكك والدمار. الحل لا يكمن في استمرار سياسة التفرد والهيمنة، بل في بناء رؤية سياسية شاملة تقوم على مبدأ الشراكة الحقيقية والاحترام المتبادل بين جميع المكونات، وتجاوز منطق الإقصاء والتهميش.
إن الحل السياسي في سوريا لن يتحقق إلا عندما يتوقف الجميع عن محاولة فرض رؤاهم الأحادية، بل عندما يتحقق الحوار الوطني الشامل الذي يضمن للجميع - بمن فيهم الأكراد وبقية المكونات - حقوقهم، ويحترم تنوعهم الثقافي والديني. وآن الأوان للتركيز على بناء مؤسسات سورية حقيقية، تكون قادرة على تحقيق العدالة والمساواة، لا مؤسسات تخضع لمعايير التفرد والسيطرة التي لا تضمن أي مستقبل مشترك.
الإسلام السياسي، كما فشل في العديد من تجاربه السابقة، لن ينجح في سوريا ما لم يتنبه إلى الدرس الذي لا بد من تعلمه: أن السياسة تحتاج إلى الحكمة، لا القوة؛ إلى التفاهم، لا الاستئثار؛ إلى الشراكة، لا الإقصاء.