الدين ...هل هو ضرورة وجودية؟

الدين ...هل هو ضرورة وجودية؟

صالح محمود

من المعروف أنّ السياسة لادين لها، فهي تبحث عن مصالح دولة أو حزب أو فئة معينة وتخدمها بغضّ النظر عن اعتبارات أخرى كالأخلاق والدين وما شابه، فهذا منطق السياسة الذي تسير فيه ولا تحيد عنه أبداً.
لقد ظلت فكرة القيام بثورة ذات طابع علماني في المناطق التي يسود فيها الدين الإسلامي حلماً للشعوب الثائرة التي عانت كثيراً لكي تحافظ على خطها الثوري المحايد، فالثورات في البلاد العربية والإسلامية كانت تكتسب على الدوام الصبغة الدينية وتظهر في مسيرتها أشياء مثل الإسلام الراديكالي أو السياسي نظراً لطبيعة الشعوب الإسلامية المجبولة بالعقيدة الدينية التي تحتل حيّزاً كبيراً من تفكيرها وسلوكها لذلك كان هذا الأمر يشد-على الدوام - القضية نحو الخلف، ويحّول الموضوع إلى طائفية ومذهبية، ويقسّم المجتمع إلى فئات متناحرة متصارعة.
فثورات الربيع العربي على سبيل المثال تطبّعت بالطابع الديني وأُقحم فيها الدين بطريقة غيّرت مسارها وبدّلت من محتواها لدرجة كبيرة، لقد كانت بداية الربيع العربي صرخات في وجه الأنظمة المستبدة وفسادها وتجبُرها وطغيانها، وقد كانت تحريضاً للشعوب على العصيان والثورة، من دون أن يكون هدفها قيام أنظمة إسلامية تسيّر حياة الناس وشؤونهم، ولكن الأمور لم تسر- على ما يرام- في سياقها ومجراها الطبيعي، فالدين أُدخل وبقوة، وبالتالي انقسم الثوّار إلى كتائب متفرّقة ومتصارعة في أحيانٍ كثيرة، وتحول العصيان المدني السلمي الذي ابتدأ به الربيع العربي إلى ثورات مسلحة مصبوغة بالطابع الديني مما هيّأ الوضع، وأعطى فرصة للكتائب الجهادية والسلفية كي تتسيّد الموقف، وتكون صاحبة الأمر والنهي وتقود العملية الثورية بالرغم عن إرادة الجميع، وبسبب تبنّي هذه الكتائب عقيدة دينية تحولت القضية إلى مذهبية وطائفية وخاصة في سوريا حيث استغل النظام البائد هذه النقطة واستقدم فصائل شيعية من العراق وأفغانستان ولبنان كالزينبيون والفاطميون وحزب الله وغيرها في مواجهة كتائب معارضة ذات طابع سني، وفي ليبيا وتونس واليمن أيضاً أصبح الموضوع إخوانياً وحوثياً وزيدياً وطائفياً وقبلياً بامتياز.
ولكن وبالرغم من كلّ ذلك، ومهما حصل ويحصل فإنّ الدين الحنيف لا يفقد مغزاه وجوهره الأساسي ذلك الجوهر الذي يحث على الخير، وينبذ الشر، ويبقى الدين سلاحاً ذا حدّين.. حد سلبي عندما يُقحم في السياسة والحكم، وحد إيجابي عندما تقتصر مهمته على هدي الناس وتحريضهم على فعل الخير، وعندما يساهم في تنظيم شؤونهم الاجتماعية والحياتية ويصبح عاملاً مساعداً في خلق الطمأنينة والاستقرار لأفراد المجتمع.
أمام كلِّ الذي جرى في بلدنا سوريا لابُدّ من العودة والقول إنّه بعد حجم الفساد الهائل والكبير الذي تغلغل في مؤسسات وهياكل الدولة، وفي بنى المجتمع ونفوس البشر وتخريبها بشكل كبير أصبح الوازع الديني ضرورة لتطهير النفوس وتنقيتها وإصلاح ما تم إفساده وإرجاع المجتمع إلى ما كان عليه قبل تفشي كل هذا الفساد عن طريق الوعظ والإرشاد الصحيحين وبغية الانطلاق من جديد وطيّ صفحة الفساد وإلى الأبد، فالناس هنا متديّنون بطبيعتهم، ومن الصعب تغيير عقائدهم، ولكن يمكن إضافة أفكار جديدة إليها، ومن الأولى الاستثمار بالدين بشكل صحيح بدل محاربته، ولعل الذي جرى في بلدنا سوريا عبرةً لمن يُعتبر بمعنى أوضح أن يرحل نظام ديكتاتوري ظالم على أيدي فصائل إسلامية متهمة بالإرهاب هذا يثبت فعلاً إنّ التاريخ ماكر، وهذا بعضٌ من مُكرِهِ، وقد يخرج خيرٌ عظيمٌ من شرٍ كبير أو العكس، وهناك سياق ومنطق تاريخي للأشياء غير مرئي، ويعجز أدهى الدهاة عن كشفه وهو الذي يسود،
لقد بات الوضع مختلفاً حتى في أوروبا وبدأ الأوروبيون يخوّنون عصر الأنوار وحضارتهم بسبب الدعوات الشاذّة التي لا تمتُّ إلى الحضارة بصلة، مثل زواج المثليين، وسياقات اجتماعية ممجوجة تقلص دور الأسرة وتشجع على الحياة الفردية التي تنتج مظاهر شاذة ومبالغ فيها كمرافقة الحيوانات من قطط وكلاب لتعويض نقص عاطفي من المفروض أن يكون مصدره البشر لا الحيوانات، فهذه أمور تقتضي من الفكر مُحارَبَتَها وتفكيكَها قدر الإمكان، مثلاً نقرأ أحياناً أنّ رجليْن متزوّجيْن اشتريا طفلاً من أجل تربيته، أليست هذه فوضى اجتماعية ممقوتة ؟ لقد دعتْ مثل هذه الظواهر بعض مُفكّري الغرب إلى تبنّي دعوةٍ إلى الرجوع لقيم الدين المسيحي وفق منظورٍ جديدٍ للمساهمةِ في الحدّ من انتشار هذه الظواهر المُهدّدة للإنسانية، كما فعل المفكر الألماني يورغن هابرماس في كتابه " تفكير ما بعد الميتافيزيقا" (1988)، حين رأى أنّ الدين ضرورةً وجوديةً لا يمكن الاستغناء عنه، وأكّد هذه النظرة القائمة على الحوار في كتابه: "بين النزعة الطبيعية والدين" (2008) هذا مع أن هابرماس ذو أصول ماركسية ومع ذلك لم تستطع هذه الأصول حجب الرؤية والحقيقة عنه، فالحياة هي عبرة في النهاية وقد دق جرس الخطر عند النخبة الواعية والمثقفة بأوروبا، وباتوا يتراجعون عن ممارسة أساليب وطرق معيشة أثبتت فشلها وعدم جدواها
الإسلام دين واسع وشامل، وفيه من الموعظة الكثير، فلماذا لا نؤثر الحكمة ونختارها لأنها ضالة الإنسان وغايته، والدين أي دين هو في النهاية مجموعة أفكار وشرائع وتعاليم وهو عصارة تفكير الأجيال التي سبقتنا، وتراث غني وضروري لا يمكن الاستغناء عنه.