الدبلوماسية الكردية ببن الواقع والطموح

الدبلوماسية الكردية ببن الواقع والطموح

شيرزاد هواري

تعدُّ الدبلوماسية السياسية الكردية واحدة من أبرز الجوانب التي ينبغي إتقان ممارستها والتي تشكّل استراتيجية الكرد في التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية، حيث تسعى معظم الأحزاب والقوى الكوردستانية إلى تحقيق جملة أهداف ومكاسب سياسية وثقافية في ظل واقع جيوسياسي معقد للحاضنة المجتمعية
تعتمد هذه الدبلوماسية على المزيد من المرونة واتساع للصدر ورؤية واقعية للآفاق والاستفادة من التحالفات الدولية بعد قراءة واقعية ومتأنية مع السعي والحفاظ على الأهداف الإستراتيجية طويلة الأمد المتمثلة في تعزيز الحقوق القومية للشعب الكردي وتثبيتها في الدساتير الناظمة لدول الإقامة
في العراق مثلاً استطاعت القيادات الكردية التفوق والنجاح، وخاصة الحزب الديمقراطي الكوردستاني برئاسة وقيادة البارزاني المرجع الكوردستاني وحنكته السياسية بالتعامل الإداري الذاتي مع الاتحاد الوطني الكوردستاني بقيادة المرحوم جلال طالباني سابقًا، في بناء علاقات دبلوماسية مميزة وقوية مع الدول الغربية، مثل الولايات المتحدة وأوروبا، وكذلك مع دول إقليمية مثل تركيا.
هذه العلاقات ساهمت في تعزيز وارتقاء مكانة إقليم كوردستان ككيان شبه مستقل بعد عام 2003، حيث استفادت من دعم دولي في مواجهة التهديدات المتتالية كتنظيم داعش وهجوم العمال الكوردستاني التركي مما أدى لتعزيز شرعيتهم السياسية عبر مؤسسات منتخبة بالنموذج الديمقراطي الفريد في الشرق الأوسط لكن هذه الدبلوماسية واجهت تحديات، كما حدث بعد استفتاء الاستقلال في 2017، حيث أدت ردود الفعل السلبية من بغداد ودول الجوار إلى تراجع مؤقت في النفوذ الكردي.
في سوريا تبنت الحركة السياسية الكوردية الخيار السلمي كأحد خياراتها النضالية منذ التأسيس وحتى بعد اندلاع شرارة الثورة ممّا مهّد لها القدرة على البقاء والصمود أمام شتى المحاولات التي استهدفتها ولاسيما الجهود الحكومية التي كانت تشكل جزءاً من مشاكلها الدائمة بالإضافة لتبني قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي يهيمن عليها حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، نهجًا دبلوماسيًا يركز على استغلال الدعم الأمريكي والفرنسي لتثبيت وجودها في شمال شرق البلاد هذا النهج مكّن الكرد شكلياً من فرض إدارة ذاتية، لكنه أثار توترات مع تركيا التي تعتبر الحزب امتدادًا لحزب العمال الكوردستاني (PKK)، مما عقد لمشهد الدبلوماسي قليلاً بعد جملة خسائر لمناطق سيطرتهم كعفرين ورأس العين وتل ابيض
في تركيا، إن حزب العمال الكوردستاني بقيادة عبد الله أوجلان يمزج بين النضال المسلح والدبلوماسية السياسية، حيث حاول التفاوض مع أنقرة في مراحل معينة للوصول إلى تسوية تضمن حقوق الكرد. لكن هذه الجهود غالبًا ما كانت تصطدم بسياسة تركيا القومية الصلبة والتي لاقت المرونة التركية في التعامل مع الملف الكردي لديها والكوردستلتي عموماً بعد المفاوضات السرية التي لاقت النور عبر رسالة أوجلان الأخيرة لحزبه بترك السلاح والبدء بالانخراط بالحياة السياسية في تركيا.
بشكل عام، تتسم الدبلوماسية الكردية بتنوع أساليبها حسب السياق الوطني والإقليمي، مع التركيز على ضرورة استغلال الفرص الدولية، مثل الحرب على الإرهاب أو الصراعات الإقليمية، لتعزيز مطالبهم
لكنها تواجه عقبات كبيرة، منها الانقسامات الداخلية بين التيارات الكردية، ورفض بعض الدول (تركيا، إيران، العراق، سوريا) لأي تهديد لوحدة أراضيها، إلى جانب تقلب مواقف القوى الدولية التي غالبًا ما تعطي الأولوية لمصالحها الاستراتيجية على الطموحات الكردية والتي باتت تشكل مصدر قلق كوردي دائم إلا أن اليوم الدبلوماسية الكوردستانية أمام اختبار حقيقي في طريق النجاح إذا استطاعت بجدارة المضي قدماً في صنع التفاهمات الحالية التالية:
ـ إتمام عملية السلام والتفاوض بين ممثلي دام بارتي والحكومة التركية بعد رسائل أوجلان الأخيرة والتي لاقت للدعم من قبل مسلحي ومقاتلي الحزب وقسد أيضاً والقدرة بإنجاز مشروع سلام حقيقي مع تركيا التي أحوج ما يمكن لها في هذه المرحلة وحكومة العدالة والتنمية تحديداً
ـ الانتهاء من إتمام مراحل الاتفاقيات المبرمة بين حكومة دمشق الجديدة برئاسة الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي كونها ضرورية للحفاظ على السلم الأهلي منعاً لهدر الدماء السورية ونزيفها بعد سقوط الطاغية بشار الأسد وحكومة البعث البائد والتفاهمات الإقليمية الناجمة عن هذه الاتفاقيات بالإضافة للرغبة الدولية لكل من امريكا وفرنسا والمرجع العربي المتمثل بدول الخليج في إتمام هذه الاتفاقيات والتي لن تتم دون صفقة كبرى دولية وإقليمية
ـ قدرة الأطراف الكوردستانية في العراق على تشكيل حكومة بعد الانتخابات الأخيرة هناك ومستقبل التفاهمات الكردية مع الحكومة العراقية والتي يأمل منها النجاح بسبب الدبلوماسية العالية لممثلي الإقليم وقدرتهم على لعب هذا الدور لدرجة غدا الإقليم منارة قيادة واستشارة دولية وإقليمية في الملف الكوردستاني بالشرق الأوسط وذلك بإمداد وتعذية مستمرة وضرورية للجالية الكوردستانية بالخارج التي تشكل مرأة عاكسة لنجاح الدبلوماسية الكردية والتي تحتاج المزيد من التنظيم والتأهيل للمواكبة التطورات الدائمة بالحقل السياسي
ـ قدرة المضي الأطراف الكردية السورية بتطبيق رؤيتها السياسية المشتركة والتي تمثلت في الاتفاق التاريخي بين المجلس الوطني الكردي والإدارة الذاتية الممثلة بسلطة الاتحاد الديمقراطي السوري وذلك عبر المطالبة بحقوقهم الدستورية بوفد مشترك يليق بعدالة القضية الكردية السورية للتوجه نحو دمشق والسعي لإنجاز التعديل الدستوري بعد الاتفاق الكردي السوري عبر إخراج يليق بهم ومن خلال قنوات التواصل والحوار السوري السوري للمشاركة الفعلية في إعادة بناء الوطن السوري بمواطنة عادلة ومساواة حقيقية للحقوق والواجبات.
وفي الأخيرة لابد للمعنيين بالملف نجاح الدبلوماسية الكردية السعي لإنجاز مرجعية تمثيلية للكورد في الشرق الأوسط بمشاركة الجميع في مؤتمر قومي كوردي يؤهلهم لقيادة المستقبل والتعاطي اللائق بهم