سوريا وتغيير الولاءات

سوريا وتغيير الولاءات

أحمد مصطفى

بعد حرب السابع من أكتوبر تغيّرت المعادلة الدولية في سوريا، وتطلبت التغييرات الدراماتيكية إلى تغيير في خارطة الصراع، وكذلك خارطة التحالفات ولاسيما في سوريا.
لقد حيّدت إسرائيل (بدعم أمريكي) إيران في المنطقة وذلك بالقضاء على أقوى حليفي إيران وهما نظام بشار الأسد وحزب الله وهذا فتح المجال لبروز قوى جديدة في المنطقة، فبينما كانت الكثير من الدول الإقليمية والعربية تسعى إلى تقليص نفوذ إيران من خلال تخفيف الضغط على نظام بشار الأسد وإعادة إحياء نظامه المتهالك بهدف تحريره من الهيمنة الإيرانية وذلك بدعوته إلى الجامعة العربية وانفتاح تركيا عليه، إلا أن الهيمنة الإيرانية كانت متجذرة لدرجة تصعب معها فك هذا الرباط المعقد، وحاولت جميع الأطراف انشغال إيران بالصراع والضغط على النظام بهدف إرغامه على الرضوخ لسياسة الانفتاح وذلك بدفع هيئة تحرير الشام بالتحرّك نحو حلب، لكن هذه التحرك خرج عن السيطرة، وأصبحت تلك الحركة تسيطر على معظم سوريا، وظهر مدى هشاشة نظام بشار الأسد.
لكن إسرائيل التي ساهمت لإسقاط الأسد أصبحت أمام واقع جديد حيث أصبحت الحركات الأصولية على مشارف الجولان، وظهرت معالم نظام شبيه بالنظام السابق مع تغيير في الولاءات، حيث حلّت حركة تحرير الشام التي تديرها تركيا محل نظام بشار الأسد المدار إيرانياً، ممّا استدعى إلى تحرُّك إسرائيلي سريع والسيطرة على مناطق جديدة من سوريا بهدف إبعاد هيئة تحرير الشام من حدودها وترافق هذا التوغل بضرب القوى العسكرية الاستراتيجية لسوريا، وأصبح الوجود الإسرائيلي مرهوناً بالوجود التركي مما عقد المشهد وأدخل سوريا في وضع لا يمكن حلحلته.
أصبحت سوريا تحت سيطرة قوتين متباينتين من ناحية الأيديولوجية والولاء، وهما حركة أحرار الشام المدعومة من تركيا وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من أمريكا، وأصبحت كلتا القوتين في موقف صعب ولا سيما بعد الاتفاق الذي جرى بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي.
فلم يتمكّن الشرع التوفيق بين سياسات داعميها ونقصد تركيا ودول الخليج وكذلك مظلوم عبدي الذي جوبهت اتفاقيته برفض شعبي ومن قبل القوى الكوردية التي أصرت على أن القضية الكوردية في سوريا قضية أرض وشعب وأن الشعب الكوردي ليس مجرّد شعب يناضل من أجل حقوق اجتماعية وثقافية أسوة بالأقليات الإثنية في سوريا.
أصبحت حكومة أحمد الشرع عبئاً ثقيلاً على تركيا ولا سيما بعد مجازر الساحل وكل تلك الانتقادات الدولية التي اشترطت رفع العقوبات بتغيير جذري في النظام السياسي السوري التعددي، ولم تعد تركيا قادرة على دعم الشرع في مواجهة الجولاني، لذلك بدأت تغير في خارطة تحالفاتها وأصبح التحالف مع قسد أقل تكلفة مما جعلها تدفع بأوجلان إلى حل حزبه و التحول إلى حزب سياسي مرن بعيد عن سيطرة قنديل الخاضعة بشكل عميق للهيمنة الإيرانية، لكن تركيا تعي جيداً إن أية محاولة لإبعاد قسد عن إيران تتطلب رضوخها لبعض الحقوق الكوردية.
السياسة الكوردية السورية أمام منعطفات مصيرية ولا سيما بعد التغيير السياسي في سوريا، وإن تمسكها بعدالة القضية وحدة موقفها وقوة تحالفاتها كفيلة لتحقيق أكبر قدر ممكن من الحقوق المشروعة للشعب الكوردي في سوريا.