نحو مستقبل بعيد عن الأجندات الخارجية
د. كاميران حاج عبدو
سوريا المدمرة وشعبها المنهك لا تتحمل المزيد من القتل والدمار. لقد عانى السوريون طيلة سنوات الحرب من ويلات الصراع والتشريد والتدمير، وآن الأوان للعمل على إنهاء هذا النزيف المستمر، وإعادة بناء سوريا على أسس العدالة والمصالحة والتنمية.
أولى الأولويات اليوم هي إنهاء الكراهية المجتمعية التي أفرزها النظام السابق وعمّقتها الحرب الأهلية، والعمل على ترميم النسيج الاجتماعي السوري. فالانقسامات الداخلية لا تخدم سوى القوى التي تسعى لإبقاء سوريا ضعيفة ومنهكة. المصالحة الوطنية يجب أن تكون مشروعاً حقيقياً يشمل جميع مكونات الشعب السوري دون إقصاء أو تهميش، بحيث يشعر الجميع بأنهم جزء من مستقبل البلاد.
إعادة الإعمار تأتي كضرورة ملحّة لتأمين حياة كريمة للمواطنين، حيث يجب العمل على استعادة الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وتعليم وصحة، إضافة إلى إعادة بناء البنية التحتية التي دمرها الصراع. هذه العملية يجب أن تحمل بُعداً وطنياً، بحيث توفر فرص العمل وتعزز الاستقرار وتفتح المجال أمام عودة النازحين والمهجرين إلى ديارهم.
لكن قبل كل ذلك، من الضروري تحييد سوريا عن الأجندات الإقليمية التي استنزفتها لسنوات طويلة. لقد دفع الشعب السوري ثمناً باهظاً بسبب وضع النظام السابق للبلاد في خدمة ملالي إيران، واليوم لا يمكن أن نكرر الخطأ ذاته عبر وضع سوريا في خدمة الأجندات التركية أو أي قوة إقليمية أخرى. مصلحة سوريا يجب أن تأتي أولاً، بعيداً عن أي تحالفات تضع البلاد رهينة لمصالح خارجية.
السبيل الوحيد نحو مستقبل مستقر لسوريا هو العمل بشعار واضح: «خدمة سوريا وأهلها قبل أي اعتبار آخر». يجب أن يكون هذا المبدأ هو البوصلة التي توجه جميع الجهود السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالتاريخ لن يرحم من يكرر أخطاء الماضي أو من يضع مصلحة بلاده رهينة لأطماع الآخرين.
سوريا بحاجة إلى أبنائها المخلصين الذين يضعون مصلحة الوطن فوق أي اعتبارات أو أجندات أخرى. إنها بحاجة إلى سياسات حكيمة تبني ولا تهدم، تصلح ولا تفرق، توحّد ولا تشتت. سوريا وطن للجميع، ولا خلاص لها إلا بتكاتف أبنائها، وإبعادها عن صراعات القوى الإقليمية والدولية، والعمل على إعادة بناء الدولة والمجتمع بروح جديدة قائمة على العدل والحرية والمساواة.