أهمية وجود علاقات دبلوماسية بين سوريا وإقليم كوردستان

أهمية وجود علاقات دبلوماسية بين سوريا وإقليم كوردستان

سعد الخضر

قبل عام 2011، لم تكن هناك علاقات دبلوماسية رسمية بين إقليم كوردستان وسوريا، نتيجة لتحفظ النظام السوري تجاه تجربة الإقليم الناجحة في ترسيخ الفيدرالية والديمقراطية في العراق. فقد نظر النظام إلى هذه التجربة باعتبارها تهديدًا محتملاً للمشاعر القومية الكوردية داخل سوريا، ما دفعه إلى الحفاظ فقط على قنوات تواصل غير رسمية مع الإقليم، بحكم الحدود المشتركة والعلاقات الاجتماعية، بالإضافة إلى التداخل الكوردي في الجغرافيا بين الجانبين.
على الرغم من بعض الزيارات المتبادلة التي جرت بين مسؤولي الطرفين، إلا أنها لم ترقَ إلى مستوى تطوير العلاقات نحو مستوى دبلوماسي رسمي. ومع اندلاع الأحداث في سوريا عام 2011، شهدت العلاقة مزيدًا من التوتر والغموض، إلى أن وصلت إلى شبه قطيعة. فقد اتّخذت قيادة إقليم كوردستان موقفًا معارضًا لممارسات النظام السوري، ورفضت الانخراط في مشاريع إيران التي كانت تهدف إلى استخدام أراضي الإقليم كقناة لدعم النظام السوري. كما استضاف الإقليم ما يزيد عن 285 ألف لاجئ سوري، بينهم عدد كبير من الشباب الهاربين من الخدمة الإلزامية، بالإضافة إلى قادة المعارضة السورية ومكاتب للمجلس الوطني الكوردي.
بعد سقوط نظام بشار الأسد وفراره إلى موسكو في 8 كانون الأول 2024، ونجاح الثورة السورية ووصول قيادة جديدة إلى السلطة برئاسة السيد أحمد الشرع كقائد للمرحلة الانتقالية، بدأت سوريا تدخل مرحلة جديدة من الانفتاح السياسي. ترافقت هذه المرحلة مع زيارات عديدة لمسؤولين دوليين وإقليميين إلى دمشق، بالإضافة إلى جولات لوزير الخارجية السوري الجديد، أسعد الشيباني، إلى مختلف دول العالم. ومن بين أبرز اللقاءات، لقاء جمع بين رئيس وزراء إقليم كوردستان، السيد مسرور بارزاني، ووزير الخارجية السوري في «منتدى دافوس»، حيث وجهت دعوة رسمية إلى بارزاني لزيارة دمشق. كما التقى رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني، بالشيباني في «منتدى ميونيخ»، وسط أجواء دبلوماسية تعكس الحاجة الماسّة لفتح قنوات رسمية بين الطرفين.
أسباب جوهرية تدفع لتعزيز العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين:
1-العامل الكوردي: يشكل التواجد الكوردي على جانبي الحدود بين سوريا والإقليم عاملًا مهمًا في تقوية الروابط القومية والاجتماعية والثقافية، ويفرض ضرورة التعاون والتفاهم بين الجانبين.
2-العامل السياسي: دعم إقليم كوردستان لسوريا الجديدة يشكّل عنصرًا مهمًا في إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، وتعزيز الاستقرار فيها.
3-العامل الاقتصادي والتجاري: وجود معبر سيمالكا-فيشخابور الحدودي يشكّل فرصة لتعزيز التجارة وتسهيل حركة الأفراد والبضائع والسياحة بين الجانبين، بما يحقق فوائد اقتصادية متبادلة.
4-العامل الأمني: التعاون الأمني بين الطرفين ضروري للحد من مخاطر التنظيمات الإرهابية، مثل داعش، إضافة إلى مكافحة التهريب بشتى أنواعه، وخاصة تجارة المخدرات.
5-العامل الإنساني: تستضيف حكومة الإقليم أكثر من 285 ألف لاجئ سوري، الأمر الذي يتطلب تنسيقًا مشتركًا لتأمين عودة آمنة وكريمة لهم إلى بلادهم. كما أن هناك عددًا كبيرًا من الكورد السوريين المقيمين في الإقليم منذ انتفاضة قامشلو عام 2004، وقد حصل العديد منهم على الجنسية العراقية، دون أن ينقطع ارتباطهم بسوريا.
من أبرز التحديات أمام إقامة علاقات رسمية بين الطرفين هو موقف الحكومة العراقية، التي لا تزال مُتحفظّة في تعاملها مع السلطة السورية الجديدة، رغم وجود مؤشرات على تحسن العلاقة، كزيارة مدير الاستخبارات العراقي إلى دمشق ولقائه بالرئيس الشرع، بالإضافة إلى دعوته لحضور القمة العربية المقبلة في بغداد. إلا أن الحذر ما زال قائمًا، نتيجة التأثير الإيراني الكبير على صنع القرار السياسي في العراق.
في الختام، إن إقامة علاقات دبلوماسية بين إقليم كوردستان وسوريا باتت ضرورة ملحة، في ظل التغييرات السياسية التي تشهدها سوريا، والتداخل الجغرافي والبشري والثقافي بين الجانبين. ويُعد فتح قنصلية سورية في أربيل وممثلية لحكومة الإقليم في دمشق خطوة حيوية لتسيير شؤون المواطنين وتعزيز التعاون في مختلف المجالات. كما أن استمرار اللقاءات والزيارات المتبادلة على أعلى المستويات من شأنه أن يضع الأساس لعلاقة مستقرة ومثمرة بين الطرفين في المستقبل، وسينعكس ذلك في التزام الإقليم بدعم تطلعات الشعب الكوردي في سوريا، ومساندة مطالبه المشروعة في مستقبل سوريا الجديدة.