تحديات السلام بين دعوة بهجلي ورسالة أوجلان
حسن قاسم
التحدُّث عن السياق الذي تعيش فيه المنطقة بعد زلزال السابع من أكتوبر الماضي والسعي إلى تغيير الخريطة الجيوسياسية في المنطقة بعد سقوط النظام السوري والانهيارات الكبيرة لأذرع إيران الميليشياتية، والأصداء التي تذهب إلى إمكانية تأديب إيران بشكل غير مسبوق خلال فترة رئاسة ترامب الحالية للولايات المتحدة الأمريكية، أدرك دولت بهجلي، رئيس حزب الحركة القومية، الرجل القوي المتشدد الذي يمسك بدفّة قيادة الدولة العميقة التركية إلى جانب أردوغان ومنظومته الأمنية، المخاطر التي تهدد تركيا بأن تتحول إلى ساحة صراع جديدة. وأصبح من الضروري حمايتها من خلال انتهاج سياسة جديدة عمادُها السلام والديمقراطية والمساواة بين المواطنين، والتخلص من أوهام تحقيق أي انتصار عسكري يجلب الأمن والاستقرار للبلاد.
جاءت رسالة أوجلان بعد وقت قليل من دعوة بهجلي، الذي تحدث عن وجوب أن يخرج أوجلان إلى العلن وأن يتحدث إلى حزب العمال الكوردستاني بوجوب إنهاء الكفاح المسلح الذي مضى عليه أكثر من أربعة عقود من عمر هذه القضية الشائكة، وذلك لحماية كل من تركيا والكورد من مغبة الانزلاق نحو نزاع مسلح قد تدخل فيه أطراف إقليمية ودولية.
أوجلان، برسالته إلى حزبه، اختار اللحظة المناسبة التي أراد فيها أن يضع الكرة في ملعب الحكومة التركية كي تتحدث إلى المجتمع التركي عن كيفية التعامل مع ملف حزب العمال الكوردستاني ومع المجتمع الكوردي ومسار القضية الديمقراطية في البلاد، خاصة مع ما شهدته تركيا في الفترة الماضية من انقلاب على مبادئ الديمقراطية، من خلال عزل رؤساء البلديات المنتخبين وزج السياسيين الكورد في السجون. فإذا أرادت تركيا أن تمضي في خطة السلام، عليها أن تقدم ضمانات كافية لنجاحها، والتي تتلخص بوجوب تغيير الدستور، وأن تدخل المسألة الكوردية داخل النقاش المجتمعي وداخل أروقة البرلمان، ونزع صفة الإرهاب عن حزب العمال الكوردستاني وعدم تجريم مقاتليه أمام المحاكم، والإفراج عن المعتقلين السياسيين لحزب الشعوب الديمقراطي وزعيمه صلاح الدين دميرتاش، وضمان ألا تنقلب تركيا على الاستحقاقات التي يحصل عليها المجتمع الكوردي. هذه الخطوات من شأنها التخفيف من المشاعر السلبية لدى الكورد، وإلا فلن تكون هناك عملية سلام، بل عبارة عن دعوة من طرف واحد.
حزب العمال الكوردستاني سيقبل دعوة أوجلان، لكن بشروط، على أن تكون العملية مستدامة وتحتاج الكثير من الوقت؛ فهي لا يمكن أن تنتهي خلال بضعة أسابيع أو أشهر، إنما هي بحاجة إلى سنوات من العمل الجاد دون إخضاع أحد إلى الابتزاز. وأن المضي قدمًا في هذا الطريق وتقديم تركيا الضمانات اللازمة، والتزامها بمعايير السلام المطروحة تحت الطاولة وليس في خطابها المعلن، ستحظى بتأييد المجتمع الدولي عامة والوسط الكوردي خاصة. وما تأكيد جناب الزعيم مسعود بارزاني على موقفه الثابت إزاء عملية السلام والتسوية في تركيا، وعن دعمه الكامل للعملية من منطلق رؤيته بأن السلام هو السبيل الوحيد لحل الخلافات، إلا تعبير عن أمله بأن تكون رسالة السيد أوجلان بداية لوضع عملية السلام في مسارها والتوصل إلى نتيجة تصب في مصلحة جميع الأطراف.