أكثر من 100 حزب.. عبء أم أداة؟
محمدأمين أوسي
في المشهد السياسي الكردي السوري، يصعب إحصاء عدد الأحزاب بدقة، لكنه يتجاوز المئة، ما يطرح سؤالاً ملحًا: هل تمثل هذه الأحزاب أداة نضال وتعبير عن تطلعات شعب، أم أنها تحوّلت إلى عبء يعيق التقدّم السياسي الكردي في سوريا؟
نشأت الأحزاب الكردية في سوريا كردّ فعل على تهميش قومي طويل الأمد، وحرمان الكرد من حقوقهم الأساسية في الهوية واللغة والمواطنة الكاملة. فكانت الأحزاب في بداياتها منابر نضالية تسعى لتأمين الاعتراف والحقوق. غير أن مسار هذه الأحزاب لم يبقَ على تلك الروح، بل انزلق كثير منها إلى منطق التنافس على التمثيل، والانقسام، وإعادة إنتاج الشخصنة والوجاهة.
إن التعددية بحدّ ذاتها ليست مشكلة، بل قد تكون دليل حيوية سياسية. لكن حين تصبح التعددية غطاءً للتشرذم، وتتعدد الأحزاب دون اختلاف فعلي في البرامج أو الخطاب، تتحوّل إلى عبء ثقيل. أكثر من مئة حزب لا تعبّر عن مئة مشروع، بل غالبًا عن مئة طموح فردي أو انقسام شخصي أو عائلي، يُلبس لباس السياسة.
إن معظم هذه الأحزاب، رغم كثرتها، تبدو شعاراتية أكثر منها تنظيمات واقعية منخرطة في نبض الشارع الكردي. ترفع لافتات عن الحرية والحقوق والديمقراطية، لكنها غائبة عن تفاصيل الحياة اليومية للكرد، لا تملك حضورًا فعليًا في القرى والمدن، ولا في مؤسسات المجتمع، ولا في بناء وعي سياسي راسخ. إنها أحزاب تُمارس السياسة من فوق، لا من بين الناس، ويقتصر أثرها غالبًا على البيانات والتصريحات، لا على الفعل والتنظيم.
بينما يفترض أن تشكّل الأحزاب أدوات للتغيير والضغط والتفاوض، نجد أن كثيرًا منها لا يمتلك حتى قاعدة جماهيرية واضحة، ولا يشارك بفعالية في تنظيم الفئات الاجتماعية، مثل الشباب أو النساء أو العمال. وهذا ما يجعل العلاقة بينها وبين الشعب علاقة سطحية أو موسمية، تظهر فقط في المناسبات أو الأزمات. وهكذا، تغيب الثقة، ويغيب الحافز الشعبي لدعم هذه الكيانات التي لم تثبت جدواها في الفعل.
ساهم غياب مؤسسات مركزية ناظمة، وتدخّلات إقليمية ودولية، في تفاقم حالة الانقسام. فكل طرف خارجي يبحث عن وكيل سياسي، يجد ضالته في حزب ناشئ أو مجموعة منشقة، ما يغذي الاستقطاب والارتهان. وهكذا، بدلاً من أن تكون الأحزاب أداة تنظيم للشارع الكردي، تحوّلت في كثير من الحالات إلى أدوات لتشتيته.
لا يمكن إغفال الأثر السلبي لضعف الثقافة التنظيمية داخل كثير من هذه الأحزاب. فبدلاً من البناء الداخلي الديمقراطي، نجد حالات متكررة من التوريث السياسي، والانفراد بالقرار، والتغييب المتعمد للكفاءات، ما يؤدي إلى حالة من الجمود، بل وأحيانًا إلى خلق بيئة طاردة للطاقات الشابة.
الأزمة ليست فقط في العدد، بل في غياب المشروع الجامع. لا تزال الساحة الكردية السورية تفتقر إلى رؤية سياسية موحدة، تتجاوز المصالح الفصائلية، نحو خطاب وطني كردي جامع، منفتح على باقي المكونات السورية، ويطرح حلولاً ديمقراطية شاملة. فالمسألة الكردية في سوريا لا يمكن اختزالها في حصة من السلطة أو مقعد في مفاوضات، بل هي قضية تحرر وحقوق وعدالة.
لذلك، قد يكون الوقت قد حان لإعادة تعريف معنى "الحزب" في السياق الكردي السوري. الحزب ليس منصة للوجاهة أو وسيلة للحصول على الدعم الخارجي، بل هو أداة لتنظيم الناس، وتأطير النضال، وتحقيق المطالب العادلة بطريقة جماعية. لا بد من الانتقال من منطق الزعيم إلى البرنامج. من الشعار إلى الممارسة.
إن بناء حركة جماهيرية كردية لا يعني القضاء على الأحزاب، بل تجاوز شكلها الحالي نحو أشكال أكثر نجاعة. حركة تؤمن بالتنظيم، لا بالتنافس المرضي. تنظر للعمل السياسي كخدمة عامة، لا كامتياز شخصي. تُعيد الاعتبار لفكرة التضامن، والتنسيق، والتكامل بين الجهود.
قد تكون الخطوة الأولى نحو ذلك هي بهدف وضع أسس جديدة للعمل السياسي الكردي. أسس تقوم على الشفافية، والمحاسبة، والمشاركة، وتضع حدًا لحالة التفكك التي لم تجلب إلا مزيدًا من العزلة السياسية.
في الختام، لن يُقاس نضج الحياة السياسية الكردية بعدد الأحزاب، بل بقدرتها على التأثير والتمثيل الحقيقي، وعلى إنتاج مشروع سياسي يحظى بثقة الناس، ويفرض حضوره في المعادلة السورية. إما أن تتحول الأحزاب الكردية إلى أدوات نضال فاعلة، أو ستبقى عبئًا على شعب يُفترض بها أن تمثّله. وأمام هذا المفترق، يبقى الخيار بيد القوى الكردية: إما أن تراجع ذاتها بصدق، أو أن تبقى في دائرة التكرار العقيم.