ولله في خلقه شؤون...!
علي جزيري
وردت عبارة في رسالة ماجستير بجامعة أم الدرمان الإسلامية في السودان، عن نسب آل أيوب، تؤكد بأن أسلاف القائد التاريخي صلاح الدين الأيوبي من أشرف القبائل التركية، وسبق أن أدرجت وزارة التربية في سوريا (عهد الأسد) في مناهجها التعليمية على انتهاج سياسة "التعريب" التي طالت البشر والحجر، في وصف صلاح الدين بـ "البطل العربي"، فسرعان ما تذكرت قصيدة الشاعر الفلسطيني معين بسيسو، تلك التي جاء فيها: "كردياً كان صلاح الدين، انتصر فأصبح عربياً، ماذا لو هُزم صلاح الدين؟ لكان جاسوساً كردياً"...! وما زاد الطين بلة، أن الكاتب المصري يوسف زيدان وصم صلاح الدين بأنه "أحقر شخصية في التاريخ"... فتصوّر يا رعاك الله...!
مثل هذا التزييف والتضليل والنسف الممنهج للذاكرة، يتعارض مع أبسط حقائق التاريخ، بما في ذلك هوية الكيان السوري الناشئ تحت تسمية "الجمهورية العربية السورية"، حين زعم العواك - واضع الدستور السوري الجديد - بأن هذه التسمية قديمة. كيف لي أن أصدّق هذا القول، وجواز سفر جدي مازال بحوزتي، حين حج إلى بيت الله الحرام عام 1944، وثيقة دامغة تدحض ما ذهب إليه المذكور وهو تحت اسم "الجمهورية السورية"؟
وهاهو اليوم أمثال أسعد الزعبي يزعم بدوره بأن الكرد طارئون ولاجئون في سوريا، ونسبتهم فيها لا تزيد عن 3%...! بيد أن نسبة الكُرد في حماة وحدها تزيد عن تلك النسبة. ما من شك أن "حركة التكويع" في تسارع هذه الأيام، وظاهرة تقليد طباع الحرباء غدت سمة رائجة في أوساط أمثال الزعبي ممّن لهم خبرة في تغيير ألوانهم، فكان المذكور حتى الأمس القريب يشنُّ على أحمد الشرع حملة شعواء قبل تسنُّمه الحكم، لكن بمجرد أن تبوأ سدة الحكم، سرعان ما ركب وأشباهه موجة التكويع...!
وقد طال التحريف نسب آل الأسد حين أفل نجمهم، فحتى البارحة كانت الجوقة تسبّح بحمدهم، واليوم تزعم بأنهم ينتمون إلى الأرومة الكُردية...!
لا أخفي سراً إن قلت، كانت تربطني بالدكتور عزالدين مصطفى رسول علاقة مودة قديمة، ولهذا الباحث باع طويل في تناول الأدب والفولكلور الكرديين، وأثنى على كتابي (الأدب الشفاهي الكردي - ج1) وكتب مقدمته عام 2000. وفي زيارة لمدينة السليمانية التقيت به بتاريخ 3 أيار 2017 في منزله، فروى لي الحكاية التالية:
(كنت بصحبة مام جلال في تسعينيات القرن الفائت بدمشق، قال لي: ما رأيك بأن نتغدّى سمكاً بحرياً لذيذاً في اللاذقية اليوم؟ عرفتُ بأنه صمّم الذهاب إلى هناك في مهمة فوافقت، وتناولنا الغذاء في فندق شيراتون، ثم ذهبنا معاً إلى بيت جميل الأسد، ودار حديث بيني وبين ابن جميل، ثم شاركنا جميل، وقال لي: نحن أكراد كاكائية من خانقين).
وحين أصرّ الدكتور عزالدين أن ينشر هذا الخبر على الملأ، طلبت منه ألا يُقْدِم على ذلك، فالقول يفتقر إلى دليل تاريخي، ويُدرج في باب المجاملة، جرّاء العلاقة التي ربطت مام جلال بحافظ الأسد.
لكن سرعان ما تلقف الخبر فيصل القاسم، الذي يتصيّد عادة في الماء العكر.