سيناريوهات جندرة اللغة والخطاب الإعلامي

سيناريوهات جندرة اللغة والخطاب الإعلامي

زينه عبدي

لخلق بيئة إعلامية مهنية وآمنة يتوجب عدم الإقصاء والتمييز على أساس الفكر والدين والجنس والعرق والجندر في اللغة والخطاب الإعلامي استناداً إلى المفاهيم والمصطلحات التي تركز غالباً، وبصورة خاصة ضمن صحافتنا وإعلامنا على الانحياز ومخاطبة جنس الذكر فقط، وهذا ما أجَّج خطاب الكراهية بين الجنسين في العمل خلال السنوات الأخيرة سواءً عبر استخدام اللغة والتنميط لصالح الذكر والتي أفرزتها الذكورة السامة أو عبر المحتوى الإعلامي الذي يهمش في مطارح كثيرة الإناث، وبالتالي غياب الطرح الفعلي فيما يتعلق بالقضايا المتعلقة بالمرأة.

مقاربة الإعلام للجندر
ضمن سياق الإعلام من الواجب التفريق بين الهوية البيولوجية والهوية الجندرية التي يشوبها غموض لافت والتي باتت تشكل اللبنة الأساسية في العديد من الإشكاليات في الوسط الإعلامي، كما أنه علينا مقاربة هذا المصطلح ذي الأصل الانتربولوجي والاجتماعي إعلامياً بغية التعرف على علاقته بالإعلام والأبعاد فيما يتعلق بالصحافة الحساسة للجندر والتي باتت مثار تساؤلات وذلك نتيجة القصور الكلي في توفير الدراسات الأكاديمية الإعلامية التي تفي بغرض التوضيح التام لهذه المقاربة، وبالتالي صار إسقاط هذا المصطلح على وسائل الإعلام ومفهومه محل الشك واليقين لا سيما في الوظائف والقضايا الحساسة.
يمكننا تناول مقاربة الجندر أو النوع الاجتماعي إعلامياً عبر زوايا عدة وأولها الطرح على أساس الهوية البيولوجية حيث تم توظيف جسد الأنثى بهدف زيادة عدد المتابعين وهذا هو الخطأ الفادح بعينه، أما بالنسبة للمتلقين فأعتقد أن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمطبوعة وحتى بعض منصات وسائل التواصل الاجتماعي خاصة خلال السنوات الأخيرة تعمل على نشر ثقافة النوع الاجتماعي أو الجندر وتبيان الأدوار الاجتماعية، أما ضمن زاوية المؤسسات الإعلامية التي يعمل فيها الصحفيات والصحفيون أرى أن ثقافة إقصاء المرأة الصحفية لاتزال قائمة عند البعض سواءً بالنسبة لتقلد المناصب الإدارية أو توزيع المهام الصحفية بكافة أشكالها، كما أن الرسائل والخطابات الإعلامية تحاول قدر المستطاع استغلال الأنثى جسديا عبر تقديم عدة أدوار لها ولكن لفترة زمنية معينة ولعمر محدد على عكس الرجل تماماً.

التأطير الإعلامي
إن الأنساق أو الأطر الإعلامية التي نشاهدها اليوم تضع الأنثى في خانة السلعنة وبالتالي تأطيرها بإطار عام متعارف عليه كونها المرأة الجسد وليست الإنسان، لذلك أرى أنه وبناءً على هذه النظرية التقليدية تعديل المسار الإعلامي والإلقاء بالنظرة الدونية تلك بعيداً وإبراز دور المرأة الصحفية الحقيقي وتكوين صورة ترتقي إلى المكانة التي تليق بها وبالذوق العام وذلك عبر تصحيح الخطط والبرامج ذات الطابع الذكوري فقط والاتجاه نحو تحقيق وتعزيز التوازن الجندري في المحتوى الإعلامي حضوراً وقضية.
ومن جانب آخر، الأبعاد المرسومة لوسائل الإعلام بناءً على توجهات الممولين أو السلطات التي تحكم المنطقة تعيق وتقيد الأدوار الجندرية في الغالب لذلك يتوجب عليها عدم الانصياع لما يملونه عليهم لأنها لا تتناسب مع توزيع الأدوار حتماً بين الجنسين وإنما ينبغي أن تكون وفقا لإطار شامل جامع بمنأى عن التهميش لأي طرف ذات الأيديولوجيات والاتجاهات المختلفة ووضع المهام المهنية التي تناسب كلاً منهما على حدة ليشغلوها بالشكل المطلوب.

جندرة اللغة الإعلامية
تشكل الأحاديث حول اللغة الإعلامية تحدياً كبير أمام المؤسسات الإعلامية كوننا نعيش لغة إعلامية غير مجندرة إطلاقاً إلا ما ندر، وتحدي اللغة التي تقلل من شأن المرأة الذي يتأرجح بين الشك واليقين في الإعلام ضمن سياق الإقصاء المبني على الذهنية الذكورية المتعمدة المنبثقة عن العادات والتقاليد في المجتمع أو سياق التعود على مصطلحات ذكورية تشي معها بشيء من الأنثوية والذي غالباً ما يرجعونه إلى اعتمادهم على لغة القرآن "اللغة العربية"، إلا أنه يتوجب تغيير جُلَّ الأفكار الجامدة التي أفرزتها تقليدية المجتمع بالدرجة الأولى ما أسهم في إلزام اللغة والخطاب الإعلامي في تقمص الممارسات الخاطئة والتي جعلت اللغة الإعلامية منحازة بقدر كبير نحو طرف دون الآخر، وبالتالي يعزز خطاب الكراهية ضمن الوسط الإعلامي والصحفي بين الجنسين، الأمر الذي من شأنه ترسيخ التغييب التام لجندرة الخطاب الإعلامي وبالتالي تقديم صورة ناقصة عن التمثيل المتوازن بين الطرفين.

صحافة حساسة للجندر؟
أعتقد أن الحديث عن الصحافة الحساسة للجندر في المنطقة بات كما الحديث عن صحافة حساسة للصراع مع الطرف الآخر والذي يعتبر نفسه نداً أو خصماً بشكل تلقائي، وهنا السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا الصحفي يهاب كلمة الجندر أو النوع الاجتماعي حالما يتم ذكرها سواءً بتسليط الضوء على القضايا النسوية والنسائية أو تمثيل الصحفيات لأدوار مهنية وإدارية هم يفترضون أنها غير مناسبة لهن بل حكراً عليهم فقط؟ لا أعلم كمية الجهل بهذا الموضوع ولماذا يتم تشيؤ الصحفية والإعلامية بهذا الشكل وبالإطار المهمش هذا والذي يبرز محدودية المرأة بل وتأطيرها بما يتناسب مع عقولهم رغم الإمكانات والكفاءات والخبرات العالية التي يمتلكونها وتفوق قدرات الصحفي والإعلامي في مواضع كثيرة.
لخلق حالة من التوازن في الخطاب واللغة الإعلامية يجب فهم نظرية الجندر والأدوار الجندرية على حدٍّ سواء مع مراعاة مقومات العملية الإعلامية والتي بالطبع ستلغي الإشكاليات حول تناول المواضيع المتعلقة بهذا الجانب كون هذا المصطلح يحتاج إلى عديد الدراسات سيما في اللغة الإعلامية في منطقتنا، لذلك لابد من تنظيم معرفي يُعَدُّ لهذا المفهوم عبر اعتماد مصطلحات دقيقة المعاني دون تمييز وفي سياقها الإعلامي المهني الصحيح من خلال إعادة قراءة مهنية حول كيفية طرح المعاني الحقيقية ل اللغة الإعلامية ضمن إطار المفهوم التواصلي.
أخيراَ، ولتكون الصحافة حساسة للجندر واللغة متوازنة جندرياً يجب توخي الدقة في استخدام مفاهيم صحيحة وسليمة وواضحة دون ترجيح كفة على أخرى عبر رصد وتحليل شامل للرسائل والخطابات الإعلامية لكافة الوسائل بما فيها الأفكار والمواضيع والأطروحات ذات المضامين المنحازة بتوجهات أو أيديولوجيات ضمن المسارات السياسية والاجتماعية والثقافية بما يتوافق مع ترسيخ وتكريس التوازن الجندري، كما ومن الممكن الاستعانة بمنهجية تعالج الخطاب واللغة عبر التحليل والبرهنة في ظل الأطر الإعلامية ونظرياتها لتحقيق أشمل هامش يعزز هذا التوازن بعد عهود من الإقصاء والتهميش وبالتالي تحديد سمات الخطاب واللغة الإعلامية.