الكورد أمام لحظة الحقيقة: إما الوحدة أو التلاشي السياسي
تورين شمدين
في كل مرة يُعقد فيها اجتماع بين القوى السياسية الكوردية، يُعاد إنتاج ذات الخطاب المستهلك، وتسكب ذات العبارات المنمّقة التي تخفي خلفها فراغاً سياسياً مدمّراً. يتحدّثون عن «استمرار الحوار»، «أهمية وحدة الصف»، «تشكيل وفد مشترك»، لكنهم في الحقيقة لا يفعلون شيئاً سوى إدارة الجمود السياسي، كأنهم وجدوا في العطالة استراتيجية، وفي التردُّد خطة، وفي إضاعة الفرص مهرباً من استحقاقات الواقع.
لقد بلغ السيل الزبى، وما يجري اليوم لم يعد مجرّد مراوغات سياسية عابرة، بل تواطؤ مقصود ضد المصير الكوردي.
إن بقاء القضية الكوردية في حالة من الركود المصطنع والتفاوض العقيم، ليس إلا خيانة صامتة للتاريخ، وامتداداً للنهج الذي جعل الكورد مجرّد ورقة تفاوض بيد القوى الإقليمية والدولية.
عبثية الاجتماعات مسرحية سياسية تغلق فيها الأبواب ويباع فيها الزمن لقد أصبحت الاجتماعات بين المجلس الوطني الكوردي وقوات سوريا الديمقراطية مجرّد غطاء لاستمرار الانقسام، وأداة لتخدير الشعب وإيهامه بأن شيئاً يتحرّك، بينما الحقيقة الصادمة هي أن القضية تستنزف عمداً. كيف يمكن أن تُدار مفاوضات «لتوحيد الصف» منذ شهور، بل سنوات، دون أن تصل إلى نتيجة ملموسة؟
أيعقل أن يكون شعب بأكمله رهينة تفاهمات غامضة لا ترى النور؟ إن استمرار هذه اللقاءات دون قرارات حاسمة يعني أمراً واحداً: إن الأطراف المتفاوضة إما أنها ليست صاحبة قرارها، وإما أنها لا تمتلك الإرادة السياسية الحقيقية لإحداث التغيير. وفي كلتا الحالتين، فإنّ هذا العبث السياسي يجب أن ينتهي، وإلا فإن التاريخ لن يرحم أحداً. الواجب الشعبي لم يعد الصمت خياراً، ولم يعد الصبر فضيلة، إن المهزلة السياسية الجارية اليوم لا تعني فشل القيادات فحسب، بل تعني أيضاً أن الشعب ذاته يتحمّل مسؤولية السماح لهذه المسرحية بأن تستمر.
لا يمكن أن يبقى الكورد في موقع المتفرّج على مصيرهم، بينما تُسرَق فرصُهم واحدة تلو الأخرى، وتُدار قضاياهم بمنطق التسويف والمماطلة.
لقد حان الوقت لكي ينهض الشعب الكوردي، ويضع حدا لهذا العبث السياسي، ويأخذ زمام المبادرة بيده. إن لحظات التحوُّل الكبرى في التاريخ لم تكن تنتظر أن تحسم في الغرف المغلقة، بل فرضت فرضاً بالإرادة الشعبية، وبضغط الجماهير التي لم تعد تقبل بأن يكون مصيرها لعبة بيد السياسيين. واليوم، لم يعد أمام الكورد خيار سوى الانتفاض بوجه هذه القيادات التي فشلت مراراً في تحقيق الحد الأدنى من الوحدة، وفضح كلّ من يعرقل إرادة الشعب تحت أي ذريعة كانت.
الصمت يعني القبول بتحويل القضية الكوردية إلى ورقة مساومة تباع في أسواق السياسة الإقليمية والدولية. الصمت يعني أن يبقى الشعب رهينة لانقسامات مصطنعة، صنعها أولئك الذين وجدوا في الخلافات وقوداً لاستمرار نفوذهم.
الصمت يعني أن تُمحى حقوق الكورد تدريجياً، بينما هم غارقون في بيانات لا تُسمِن ولا تُغنِي من جوع. إما أن نفرض إرادتنا، أو نُمحى من معادلات المستقبل التاريخ لا يعترف بالمتردّدين، والسياسة لا ترحم الشعوب التي تتنازل عن حقها في تقرير مصيرها.
إن الاستمرار في الانتظار لن يؤدي إلا إلى تحويل الكورد إلى هامش في المشهد السياسي السوري، يُفرض عليهم مستقبلهم بدلًا من أن يكونوا صانعيه.
لقد حان وقت الفعل، وحان وقت إسقاط هذا الجمود السياسي، وحان وقت الثورة الشعبية الحقيقية التي تُعيد زمام المبادرة إلى الشعب، بدل أن يبقى رهينة لمساومات السياسيين. لا أحد يمنح الشعوب حقوقها بالمجان، ولا أحد يبني مجد أمة وهي جالسة تنتظر. إما أن نتحرّك اليوم، أو سنندم غداً.. حين لا ينفع الندم.