اتفاق الأحزاب الكردية في كوردستان سوريا: فرصة تاريخية لطي صفحة الظلم

اتفاق الأحزاب الكردية في كوردستان سوريا: فرصة تاريخية لطي صفحة الظلم

صلاح عمر

في لحظة فارقة من تاريخ القضية الكردية في سوريا، اجتمعت الأحزاب الكردية (المجلس الوطني الكردي، وأحزاب الحركة الوطنية الكردية)، التقت الأطراف الكردية التي فرّقتها الخلافات لعقود، على طاولة واحدة، ليس لتسجيل موقف سياسي عابر، بل لرسم ملامح مستقبل شعبٍ قاوم سياسات الطمس والإنكار لعقود. جاء هذا الاتفاق برعاية دولية من الولايات المتحدة وفرنسا، وبإشراف مباشر من الزعيم مسعود بارزاني، وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، ليؤسس لمرحلة جديدة في المسار السياسي الكردي داخل سوريا.
لطالما واجه الكرد في سوريا سياسات ممنهجة سعت إلى اقتلاعهم من جذورهم، بدءًا من «الحزام العربي» والمشاريع الاستيطانية، مرورًا بالتعريب، والتجريد من الجنسية، وصولًا إلى القمع الأمني والاعتقالات. لم تكن هذه مجرّد إجراءات إدارية، بل استراتيجية إقصائية تهدف إلى طمس هوية شعبٍ أصيل.
لكن، رغم كلّ ذلك، لم ينكسر الكرد. فقد ظلوا متمسّكين بلغتهم، بثقافتهم، بأرضهم، وبحقهم في تقرير مصيرهم. واليوم، وبعد سنوات من المقاومة العسكرية والسياسية، جاء هذا الاتفاق ليؤكد الحقيقة التي لا يمكن إنكارها: الشعب الكردي في سوريا موجود، وسيظل موجودًا، وهو صاحب حق لا يختزل، ولا يساوم عليه، ويضع الأسس لضمان حقوقه في الدستور السوري الجديد.

بنود الاتفاق: نحو رؤية سياسية موحدة
حدّد الاتفاق مجموعة من المبادئ التي ستشكل أساس التفاوض مع الإدارة الانتقالية في دمشق، أبرزها:
1- سوريا دولة ديمقراطية تعددية لا مركزية سياسية: تم الاتفاق على أن يكون شكل الدولة السورية الجديد لا مركزيًا، بما يضمن حقوق جميع المكوّنات، مع التأكيد على أن الحكم الفيدرالي هو المطلب الكردي الأساسي.
2-الاعتراف الرسمي بالكرد وهوية كوردستان سوريا: يُلزم الاتفاق الدولة السورية بالاعتراف الدستوري بالكرد كقومية رئيسية في البلاد، وإلغاء جميع القوانين الشوفينية التي استهدفتهم.
3-الاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية إلى جانب العربية، واعتمادها في المؤسسات التعليمية والإدارية ضمن المناطق الكردية.
4-قوات سوريا الديمقراطية كجيش وطني: تم الاعتراف رسميًا بقوات سوريا الديمقراطية (قسد) كجزء من الجيش السوري المستقبلي، مع ضمان بقائها كقوة حماية ذاتية ضمن الإقليم الكردي.
5-إلغاء المشاريع الاستيطانية وسياسات التغيير الديمغرافي: يشمل ذلك إنهاء آثار الحزام العربي، وإعادة الأراضي إلى أصحابها الشرعيين، وتعويض المتضررين.
6-حقوق الشهداء والمعتقلين السياسيين: ضمان حقوق شهداء كردستان سوريا الذين ضحّوا في سبيل الحرية، والإفراج عن المعتقلين السياسيين الكرد، وتعويضهم عن سنوات القمع.

7- تشكيل وفد كردي موحد للتفاوض مع دمشق: تم الاتفاق على توحيد الصف الكردي من خلال تشكيل وفد تفاوضي مشترك يمثل جميع الأحزاب الكردية، بما في ذلك المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي، لضمان موقف كردي قوي خلال المفاوضات مع الحكومة السورية.

التحديات: هل يكتمل المشروع؟
رغم أن الاتفاق يُعتبر خطوة تاريخية، إلا أن هناك عقبات قد تؤثر على نجاحه، منها:
مدى التزام دمشق بالاتفاق: هل ستقبل السلطة السورية بتغيير شكل الدولة من نظام مركزي قمعي إلى نظام فيدرالي ديمقراطي؟
الخلافات الداخلية بين الأحزاب الكردية: هل سيتجاوز الكرد تبايناتهم الأيديولوجية، ويقدّمون المصلحة القومية على الحسابات الحزبية؟
الموقف الإقليمي والدولي: كيف ستتعامل تركيا وإيران وروسيا مع هذا الاتفاق، خاصة وأنهم يرفضون أيّ مشروع سياسي كردي في المنطقة؟

رسالة إلى التاريخ: كوردستان سوريا حقيقةٌ لا تموت
اليوم، وللمرة الأولى منذ عقود، يقف الكرد أمام خيارٍ حاسم: إما الوحدة، وإما ضياع الفرصة كما حدث مرارًا. فالتاريخ لا يرحم أولئك الذين لا يتعلمون من دروسه. هذا ليس مجرد اتفاق سياسي، بل لحظة تقرير مصير، ومعركة إرادة، واختبار حقيقي للقدرة على انتزاع الحقوق.
كوردستان سوريا ليست مشروعًا مؤقتًا، ولا قضية يمكن التفاوض على وجودها، بل هويةٌ متجذّرة في الأرض، وحقٌّ لا يمكن مصادرته. لا يمكن لأي اتفاقية دولية، ولا لأي حدودٍ مصطنعة، أن تمحو ذاكرة شعبٍ عاش على هذه الأرض منذ آلاف السنين.
اليوم، يُكتب فصلٌ جديدٌ في تاريخ كوردستان سوريا. إما أن يكون فصل الانتصار، وإما أن يكون فصلًا آخر من فصول الضياع. الخيار لم يعد بيد الأنظمة وحدها، بل في أيدي أبناء هذه الأرض، فإما أن يحملوا إرث أجدادهم بشرف، أو يتركوه عرضةً للتلاشي.
ولكن إن كان التاريخ قد علمنا شيئًا، فهو أن هذا الشعب لم يعرف الاستسلام يومًا. وكما قاوم في كوباني، وعفرين، وسري كانيه، سيقاوم حتى تُرفع رايته فوق جبال كوردستان، وحتى يُكتب في خرائط المستقبل: هنا كوردستان سوريا، وهذه الأرض لا تكذب!