التعليم في سوريا.. ضحية الحرب والنسيان

 التعليم في سوريا.. ضحية الحرب والنسيان

مرفان باديني

يواجه الطلاب في سوريا ظروفًا قاسية في ظل النزاعات المستمرة، حيث أدى الاقتتال الداخلي والصراع على السلطة إلى تدمير مختلف جوانب الحياة، وعلى رأسها قطاع التعليم. فقد تعرّضت المدارس للقصف والتدمير، وسقط العديد من الطلاب ضحايا لهذه الصراعات، بينما تحوّلت الكثير من المؤسسات التعليمية إلى مراكز إيواء للنازحين، مما أدّى إلى شلل شبه كامل في العملية التعليمية.
ورغم تراجُع العمليات العسكرية في معظم المناطق، لا تزال تبعات الحرب تلقي بظلالها الثقيلة على المجتمع، إذ يعاني الأهالي من مخاوف أمنية تدفعهم إلى التردُّد في إرسال أبنائهم إلى المدارس. فغياب الأمان والانتهاكات المستمرة جعلت التعليم عبئًا إضافيًا على العائلات التي تجد نفسها مُمزّقة بين الخوف على حياة أطفالها والحاجة إلى تأمين مستقبلهم عبر التعليم.
من جهة أخرى، ساهمت بعض الفصائل المسلحة التي تسيطر على مناطق مختلفة في تفاقم هذه الأزمة، حيث فرضت مناهج تعليمية تتماشى مع أيديولوجياتها، مما أدّى إلى تغييب المناهج الوطنية وإضعاف المستوى التعليمي. كما تعرّض العديد من المعلمين والطلاب لمضايقات وضغوطات، ممّا زاد من عزوف الأهالي عن إرسال أبنائهم إلى المدارس.
من أبلغ الشواهد على معاناة الطلبة، المأساة التي لحقت بالطالبة الكردية شيندا عادل كشو من مدينة قامشلو، وهي طالبة في السنة الأولى بكلية الطب، قُتلت برصاصة طائشة خلال الاشتباكات بين القوات الحكومية والمجموعات المسلحة في مدينة اللاذقية بتاريخ 7 مارس. هذه الحادثة المؤلمة تعكسُ واقعًا مريرًا يعيشه الطلاب في سوريا، حيث يجدون أنفسهم وسط نزاعات لا علاقة لهم بها، ليدفعوا الثمن من أرواحهم ومستقبلهم.
إلى جانب التهديدات الأمنية، يعاني قطاع التعليم من تحديات اقتصادية جسيمة. فمع تصاعُد أزمة المعيشة وارتفاع معدلات الفقر، اضطرت العديد من الأسر إلى إخراج أطفالها من المدارس وإلحاقهم بسوق العمل للمساهمة في إعالة العائلة. كما أدت موجات النزوح والهجرة إلى فقدان الكفاءات التعليمية، مما أثر على جودة التعليم في المناطق المتضررة.
أما المدارس التي لا تزال قيد التشغيل، فهي تعاني من اكتظاظ شديد، وانعدام البنية التحتية المناسبة، إضافة إلى نقص حاد في المواد الأساسية مثل التدفئة والأثاث المدرسي.
في ظل هذه التحديات، يصبح الحفاظ على حق التعليم ضرورة قصوى يجب وضعها في مقدمة الأولويات. من الضروري العمل على تأمين بيئة تعليمية آمنة، وتوفير المدارس المجهزة بالحدّ الأدنى من المقومات الأساسية، إلى جانب حماية الطلاب والمعلمين من المخاطر المحيطة بهم. كما يجب اتّخاذ خطوات جادة لإعادة تأهيل المؤسسات التعليمية، وضمان وصول الطلاب إلى الموارد اللازمة، حتى لا يصبح التعليم ضحية أخرى للحرب المستمرة.
إن مستقبل سوريا مرهون بمدى قدرتها على الحفاظ على نظام تعليمي قوي وفعّال، فالجهل لا يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار، بينما يبقى التعليم هو الأمل الوحيد لإعادة بناء المجتمع والخروج من دوامة الصراع.