نورالدين زازا (1919 - 1988)

نورالدين زازا (1919 - 1988)

علي جزيري

قال باستور أمام جمع من الشباب يوماً: "ادرسوا سيرة رجل عظيم، كي تعثروا فيها على ما يُلْهِم ويُدْهِش". فمن هو الأجدر من زازا يا ترى لنقرأ سيرته، الذي لم يُنْصَف لا في حياته ولا بعد رحيله؟
كان الراحل الأكثر ثقافة ونكراناً للذات، وألهم في القلوب جذوة الإصرار لنيل الحرية، وأرسى أسس الوعي القومي في وجدان المقهورين من أبناء أمته، فمن الطبيعي أن يغدو نجماً متلألئاً في سمائنا، وقدوة للأجيال الصAاعدة.
نال الدكتوراه من جامعة لوزان، واجتاز شظف الحياة بإرادة لا تلين. بيد أن حياته كانت حافلة بمآثر ابداعية، فواظب على نشرها في صحيفة هاوار مما دعا جلادت بدرخان لوصفه بـ "تشيخوف الكرد"، وترجم رواية الراعي الكردي من الفرنسية، وله ديوان شعري، وكتب سيرته (حياتي الكردية/ صرخة الشعب الكردي) بالفرنسية، تلك التي صدرت في ثلاث طبعات بالعربية، وسبق له أن قدّم بحثاً مطولاً، تناول فيه إحدى ملاحمنا الشفاهية التي يُشار إليها بالبنان، أعني ممى آلان، التي استوحى منها (خاني) ملحمته مم وزين.
ناشد زازا الكرد: (أيها الكرد، إن أردتُم ألّا تتبعثروا وتُتيهوا، فما عليكم - قبل كل شيء - إلا أن تدرسوا لغتكم وتُدَرّسوها، لكن إن أردتُم أن تَعْرِفوا أنفسكم، وتُعَرِّفوا الآخرين بـهويتكم، وتُقيموا بينكم وبين الأمم الأخرى أواصر المحبة والصداقة، وتعيشوا بكرامة، فما عليكم سوى أن تقرأوا بلغتكم وتُدَرِّسوها).
بيد أن الهم السياسي كان يسوقه دوماً إلى حتفه المتمثل في المعتقلات، ففي آب 1960، تم إيقاف 5000 كردي في عهد الوحدة، وكان زازا أبرزهم. فحين داهم الأمن مكتبه بدمشق، سأله: أأنت الدكتور نورالدين زازا؟ ردَّ: نعم. فقال له: نحن مباحث، اتبعنا. أصرّ زازا: أروني أولاً آوراقكم؟ فأظهر أحدهم بطاقته. ثم زج يومها في قبو التعذيب في سجن المزة، ثم سجن القلعة بدمشق، كما سُجن في حي الجميلية بحلب، ووجهت إليه تهماً شتى ما أنزل الله بها من سلطان: كانفصالي، يسعى لاقتطاع جزء من سوريا وضمه إلى دولة أجنبية، والسعي لإقامة "إسرائيل الثانية"...الخ.
وحين سأله المحقق: لماذا أسستم الپارتي؟ أجاب: لأن حكوماتكم المتعاقبة وأدت الديمقراطية في المهد، وراحت تعد علينا الأنفاس، ولم تمنحنا أبسط حقوقنا، ومارست التعريب في مناطقنا، وحرمتنا من التكلم بلغتنا والتلذذ بأغانينا، والابتهاج بنوروزنا.
وبعد أسابيع طالب وكيل النيابة بإنزال عقوبة الإعدام بحق زازا وعثمان صبري ورشيد حمو، والحكم بالسجن من سنتين حتى 10 سنوات للبقية، فتنطح حينئذٍ محامون كرد وعرب للدفاع عنهم، حتى ألغي حكم الإعدام وخفضت مدة السجن.
كما أمضى زازا مدة طويلة في معتقلات العراق ولبنان والأردن، ولوحق في تركيا. وحين كان نزيل سجون العراق، لم يُدَخّر مصطفى البارزاني جهداً للاهتمام به وإطلاق سراحه بأي ثمن، ولما سُجن في الأردن، سعى البارزاني لإطلاق سراحه، حينئذٍ لبى رئيس وزراء الأردن طلبه وأطلق سراح زازا على الفور، وحين تساءل زازا عن سرِّ الأمر، أجابه رئيس الوزراء: (لقد أمرني البارزاني أن أطلق سراحك). هذه العبارة التي نطق بها رئيس الوزراء تنِمُّ حقيقة عن احترامه الشديد للبارزاني، أما رسالة البارزاني لرئيس الوزراء، فتوحي بمنزلة زازا الرفيعة في قلب البارزاني.