اللحظة الحالية هي التي تحدّد المستقبل
شيركوه كنعان عكيد
أحدث خروج المجلس الوطني الكوردي من ائتلاف قوى المعارضة ردود فعل متباينة وآراء متفاوتة في الشارع الكوردي، تراوحت بين الآراء الموضوعية والعقلانية والمهاترات الرخيصة وحتى الشماتة الصبيانية. فمنها ما كان مشجعاً، يحرص على شحذ همم المجلس من أجل أداء أفضل في المرحلة التالية، ومنها ما كان ناقدًا يشير إلى النواقص والسلبيات التي مرّ بها المجلس في فترة وجوده ضمن الائتلاف ومحذّراً من تكرارها.
من الجهة الأخرى رأينا الكثير من الآراء المغايرة لما سبق ذكره، فبعضها كان محبطاً وسلبياً، إذ تنبأ سلفاً بفشل المجلس في مساعيه لتقديم ما هو أفضل مستقبلاً، ومهما فعل، طالباً من المجلس وبطريقة محبطة، رفع الراية البيضاء، ومنها من ألقى الضوء متباهياً، على آرائه ومواقفه الشخصية السابقة التي تؤكّد صحة تحليلاته ونظرياته التي كانت تستهجن وجود المجلس ضمن الائتلاف وضرورة الانسحاب منه، وقد أثبتت الأحداث حسب رؤيته الثاقبة! انه كان محقاً فيها، مسجلًا بذلك انتصاراً في سباق التحليل السياسي.
الساحة السياسية الكوردية تعجّ بالأحزاب والمنظمات السياسية والتي اختار بعضها الانضواء تحت سقف أحد المجلسين الرئيسيين (المجلس الوطني الكوردي ومجلس سوريا الديموقراطية) كلٌّ حسب منطلقاته الفكرية ومدى انسجامه مع طروحات كل مجلس وقناعاته أن هذا المجلس أو ذاك يجسّد طموحاته وأهدافه الاستراتيجية. كما وقد لعب التقارب الفكري النسبي للأحزاب فيما بينها دوراً في اختيارها لأحد المجلسين.
بالنسبة للمجلس الوطني الكوردي بوصفه وفق رؤيته يمثل حقوق الشعب الكوردي في سوريا، فقد اختارت الأحزاب التي يتشكل منها، بناء تحالف مع المعارضة السورية من خلال الانضمام إلى ائتلاف المعارضة السورية، لضمان حقوق الكورد في أي حل سياسي مستقبلي لسوريا، وأملاً في تعزيز حضور القضية الكردية في المحافل السياسية الدولية والإقليمية، مستفيدين من الشرعية التي نالها الائتلاف.
أما موقف جماهير المجلس الوطني من هذا التحالف فكان يتأرجح بين الرضا والرفض تبعاً للأخبار الواردة من المناطق الخاضعة لسلطة وسيطرة الفصائل، وممارستها التي تجاوزت كل الحدود ضاربة بعرض الحائط بكلِّ توجيهات الجهات التي تقودها أو تمثلها في الائتلاف بحيث أصبح كل فصيل يعمل وفق أجنداته الخاصة والشخصية. أما أنصار مجلس سوريا الديموقراطية فلا داعي لذكر موقفهم المعروف من المجلس الوطني الكوردي خاصة والائتلاف عموماً.
هذا التحالف الجدلي بين المجلس الوطني والائتلاف مّر عدة مرات بفترات خلاف واختلاف وعدم انسجام وصل الى حدّ تهديد استمرارية هذا التحالف وديمومته.
بعد سقوط النظام الديكتاتوري، والتحولات التي شهدتها الساحة السورية، والتحركات الديبلوماسية لكل الأطراف المعنية، الفردية منها والجماعية، وجد المجلس نفسه بطريقة أو ما، خارج المعادلة، ولم يعد صوتاً مسموعاً في خضم كل تلك التحركات فقرر أخيراً وبإجماع كافة أحزابه الانسحاب من الائتلاف وهيئة التفاوض، والعمل عوضاً عن ذلك على محاولات رصّ الصف الكوردي والخطاب السياسي للخروج بتفاهمات مشتركة كجبهة واحدة تتمثل في الوفد الكوردي الباحث عن مقعد له على الطاولة في أية محادثات أو مفاوضات مع الإدارة الجديدة، بما يضمن حقوق شعبنا دستورياً وقانونياً في دولة المواطنة الموعودة.
في الوقت الذي تعكف فيه الإدارة الجديدة على الدعوة الى مؤتمر الحوار الوطني، والتي كانت أولى خطواتها تشكيل لجنة تحضيرية تمثل تقريباً لوناً واحدا إذا استثنينا المكون المسيحي الممثل بعضو واحد، بينما تم استبعاد ممثلي كل المكونات الأخرى، حجتهم في ذلك هي أن هذه اللجنة التحضيرية تمثل كل سوري بصرف النظر عن انتمائه، وإنها ستعمل على دعوة (شخصيات) من كافة المكونات الى مؤتمر الحوار لوطني لاحقا.
تلك التبريرات والتفسيرات السطحية بحسب رأيي ما هي إلا لذرّ الرماد في العيون والتمويه على النوايا الحقيقية التي يمكن أن تضمرها الإدارة الجديدة، من حيث رغبتها الفعلية في توفير تمثيل حقيقي لكل مكون.
قد يكون من السابق لأوانه التكهن بما يخطط له الساسة الجدد في الإدارة الحالية فيما يتعلق بتمثيل المكونات، لكن أخشى ما أخشاه هو أن تكون هنالك مناورة ما في انتقاء الشخصيات التي يتحدثون عنها، وينوون دعوتها الى المؤتمر، بأن يكونوا مجرد أشخاص يحتلون مكانة اجتماعية أو علمية معينة أو حتى رجال دين يحظون باحترام الشارع والمكون الذي ينتمون إليه فحسب.
مع احترامنا لتلك الشخصيات مهما كانت أو كائنًا من كانت، فانه لا يمكنها مطلقاً أن تقوم بتمثيل شعبها وطموحاته تمثيلاً حقيقياً، إن لم تكن منضوية في إطار سياسي وتنظيمي يجسد حالة ومطالب الشعب، وينظم أولويات تلك المطالب بطريقة معقولة.
مؤخراً صدرت الكثير من الأصوات التي تنادي بتمتين الصف الكوردي والدعوات العقلانية إلى توحيد المواقف بين صفوف الحركة السياسية، تلك الدعوات التي كانت تعدُّ يوماً ما دعوات عاطفية صعبة المنال، لكنها اليوم بلا شك دعوات لا دور للعاطفة فيها، وإنما هي محقة وضرورية بل وأساسية، ولذلك فهي تستوجب الكثير من العمل الدؤوب وبذل كل جهد ممكن من الكل والأجمعين، لأن قدرة التنظيمات والأحزاب والقيادات السياسية لشعبنا على تحقيق تحالف قوي وتوافق سياسي فيما بينها وقدرتها جميعا على تثبيت أحقية مطالبها واستحقاقها لتلك الحقوق و العمل على اكتساب المزيد من الأصدقاء والداعمين، المحليين والإقليميين والدوليين، بالإضافة الى التفاف الجماهير الكوردية حول حركتها السياسية، هو ما سيشكل الضمانة الحقيقية للوصول الى الأهداف التي عملوا عقودا للوصول اليها وهو البطاقة الأقوى لدخول حلبة المفاوضات والاتفاقات بقوة وثبات لتأمين وضمان حقوقه كاملة غير منقوصة.
قد يخبّىْ المستقبل كثيراً من المفاجآت والتغييرات الدراماتيكية نظرا للوضع العام، الهش والضبابي، ولذلك فإن علينا أخذ المبادرة والإجراءات الاستباقية في ترتيب بيتنا الداخلي، وأن نكون على أهبة الاستعداد واليقظة لكافة المتغيرات المحتملة. فإن لم نتلقف الفرصة التاريخية المتاحة الآن فضريبة الندم عندها ستكون أكبر من أي وقت مضى، فاللحظة الحالية هي التي تحدد مستقبلنا دون ريب.