التعايش والانتماء: معادلة النجاح في المجتمعات المتعددة
محمد أمين أوسي
في عالم اليوم، حيث تتزايد التحديّات السياسية والاجتماعية، يصبح التوازن بين الهوية الوطنية الجامعة واحترام التنوُّع الثقافي والديني والعرقي ضرورة لا غنى عنها لبناء مجتمع متماسك. فالهوية الوطنية ليست مجرّد إطار قانوني أو انتماء جغرافي، بل هي شعور بالانتماء المشترك، يقوم على أسس المواطنة والمساواة. مع ذلك، فإن أية هوية وطنية قوية لا يمكن أن تكون مستدامة ما لم تأخذ بعين الاعتبار التنوع المجتمعي، وتحترم الاختلافات، وتحتضنُ التعدُّدية بوصفها مصدرًا للقوة والإثراء الثقافي، وليس عاملًا للانقسام والتشرذم.
إن تحقيق هذا التوازن يتطلّب رؤية واضحة تستند إلى مبادئ المواطنة الحقيقية، التي تعني أن جميع الأفراد في الدولة متساوون في الحقوق والواجبات، بغضّ النظر عن خلفياتهم الثقافية أو الدينية أو العرقية. وهذا لا يعني إلغاء التنوع أو فرض هوية واحدة على الجميع، بل على العكس، يعني بناء إطار مشترك يسمح للجميع أن يكونوا جزءًا من الوطن دون الشعور بالإقصاء أو التمييز. فالوطن ليس ملكًا لفئة دون أخرى، والهوية الوطنية ليست حكراً على ثقافة أو دين معين، بل هي هوية جامعة تستوعب الجميع، وتحترم اختلافاتهم، وتحول التنوُّع إلى رافد يعزّز الوحدة بدلاً من تهديدها.
السياسات الذكية تلعب دورًا محوريًا في تحقيق هذا التوازن، إذ يجب أن تقوم الدولة بوضع سياسات عامة تعزّز الشعور بالمواطنة والانتماء الوطني، دون أن تكون هذه السياسات على حساب الخصوصيات الثقافية أو الدينية. فمثلًا، يمكن أن يكون هناك نظام تعليمي يعكس الهوية الوطنية المشتركة، ولكنه في الوقت ذاته يعترف بالتنوع، ويتيح المجال أمام مختلف المكوّنات الثقافية والدينية للتعبير عن هويتها ضمن الإطار الوطني. كما يجب أن تتبنى الدولة سياسات إعلامية تعزز التنوع وتكافح خطاب الكراهية والتمييز، وتعمل على بناء ثقافة مجتمعية تؤمن بأن التنوع مصدر إثراء وليس تهديدًا.
الإرادة السياسية الحقيقية تلعب دورًا أساسيًا في هذا السياق، إذ إن أي محاولة لتحقيق التوازن بين الهوية الوطنية والتنوع لا يمكن أن تنجح دون دعم قوي من القيادة السياسية. فحين يكون هناك التزام حقيقي بالمواطنة والمساواة، يصبح من الممكن تجاوز الكثير من العقبات التي تعيق تحقيق هذا الهدف. وهذا يتطلب عدم استخدام الهوية الوطنية كأداة للإقصاء أو التمييز، بل كأداة لتعزيز الوحدة والتضامن المجتمعي. القيادة السياسية يجب أن تكون القدوة في احترام التنوع، من خلال سياساتها وخطابها، بحيث يكون الجميع قادرين على رؤية أنفسهم جزءًا من المشروع الوطني، وليس مجرد فئات تعيش على هامش الدولة.
الثقافة المجتمعية لها دورٌ لا يقلُّ أهمية عن السياسات الحكومية، إذ إن أي سياسة لا يمكن أن تحقق نتائج إيجابية ما لم تكن هناك قناعة مجتمعية بها. وهنا يأتي دور التعليم والإعلام في نشر ثقافة قبول الآخر، واحترام الاختلاف، والاحتفاء بالتنوع باعتباره جزءًا من الهوية الوطنية، وليس نقيضًا لها. فمن خلال المناهج الدراسية، يمكن ترسيخ فكرة أن الوطن يتسع للجميع، وأن المواطنة تقوم على الحقوق والواجبات وليس على الانتماءات الضيقة. ومن خلال الإعلام، يمكن تقديم نماذج إيجابية للتنوع داخل المجتمع، بحيث يصبح الاختلاف أمرًا طبيعيًا وليس مدعاة للريبة أو الخوف.
أحد أكبر التحديات التي تواجه هذا التوازن هو الخطاب المتطرف الذي يسعى إلى استغلال التنوع لإثارة الفتن والانقسامات. هذا الخطاب قد يكون دينيًا، أو قوميًا، أو عرقيًا، لكنه في جميع الأحوال يؤدي إلى نتائج كارثية على استقرار المجتمع. ولهذا، يجب أن تكون هناك قوانين صارمة تجرم التمييز والتحريض على الكراهية، ويجب أن يتم تعزيز ثقافة الحوار والتسامح، بحيث يتمكن الجميع من التعبير عن هويتهم بطريقة لا تتعارض مع حقوق الآخرين ولا تهدد الوحدة الوطنية.
التجارب العالمية أثبتت أن المجتمعات التي نجحت في تحقيق التوازن بين الهوية الوطنية والتنوع، هي تلك التي تبنت سياسات شاملة تقوم على العدل والمساواة. فالدول التي تعاملت مع التنوع على أنه مصدر قوة، استطاعت أن تحقق استقرارًا سياسيًا واقتصاديًا، بينما تلك التي حاولت قمع التنوع أو فرض هوية واحدة بالقوة، واجهت اضطرابات وصراعات داخلية لا تنتهي. ففي كندا، على سبيل المثال، يتم التعامل مع التعددية الثقافية بوصفها جزءًا أساسيًا من الهوية الوطنية، ويتم منح الأقليات حقوقها دون أن يكون ذلك على حساب الوحدة الوطنية. وفي دول مثل سويسرا، يتم احترام اللغات والثقافات المختلفة، مما ساعد على خلق مجتمع متماسك رغم التنوع الكبير داخله.
لكن في المقابل، هناك دول لم تتمكن من تحقيق هذا التوازن، فكانت النتيجة نزاعات أهلية وانقسامات حادة داخل المجتمع. والسبب في ذلك هو غياب سياسات المواطنة الحقيقية، والتمييز ضد بعض الفئات على أساس العرق أو الدين أو الثقافة. هذه التجارب يجب أن تكون درسًا لأي دولة تسعى إلى بناء هوية وطنية جامعة، بحيث تتجنب الأخطاء التي قادت إلى التشرذم والانقسامات، وتتبنى سياسات تقوم على الشمولية والعدل.
في النهاية، لا يمكن بناءُ مجتمع مستقر وعادل دون الاعتراف بأن التنوع هو حقيقة لا يمكن إنكارها، وأن الحل لا يكمن في محاولة محو هذا التنوع، بل في إيجاد طرق ذكية لاستيعابه ضمن إطار وطني جامع. الهوية الوطنية القوية هي تلك التي تحتضن الجميع، ولا تجعل أي فرد يشعر بأنه غريب في وطنه. وتحقيق هذا الهدف ليس مجرد خيار سياسي، بل هو ضرورة لضمان مستقبل أكثر عدالة واستقرارًا. فمن خلال سياسات قائمة على المواطنة، وإرادة سياسية صادقة، وثقافة مجتمعية تؤمن بالتنوع، يمكن لأي دولة أن تبني هوية وطنية حقيقية، تستوعب جميع مكوناتها، وتحول الاختلاف إلى نقطة قوة بدلاً من أن يكون سببًا للانقسام.