إقصاء الكرد في مسودة الدستور السوري المؤقت، إشكالية قانونية وخرق للمبادئ الدستورية
صلاح عمر
في ظل التحولات السياسية التي تشهدها سوريا، وفي سياق البحث عن صياغة دستورية جديدة تمهّد لمرحلة انتقالية نحو نظام ديمقراطي تعددي، أُعلن عن مسودة "الدستور المؤقت"، والتي تتألف من 43 مادة تحدد أسس الدولة السورية القادمة. إلا أن المراجعة الدقيقة لهذه المسودة تكشف عن غياب أي إشارة صريحة إلى الشعب الكردي، رغم كونه أحد المكونات الأساسية في سوريا، مما يثير تساؤلات قانونية وسياسية عميقة حول مدى التزام هذه المسودة بمبادئ العدالة والمساواة وحقوق الإنسان.
أولًا: مخالفة مبدأ المساواة الدستورية
تنص المادة 6 من المسودة على أن "جميع المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، دون تمييز بينهم في العرق أو الدين أو الجنس أو النسب." ورغم هذا النص الذي يبدو في ظاهره عامًا وشاملاً، فإن إغفال الإشارة إلى التعددية القومية وحقوق الشعب الكردي يجعل هذه المادة جوفاء وغير قابلة للتطبيق الفعلي.
في الدول الديمقراطية التي تحترم التنوع القومي، تُصاغ الدساتير بحيث تعترف بهوية المكونات القومية وتضمن حقوقهم الثقافية والسياسية والإدارية بشكل صريح. أما مسودة الدستور السوري المؤقت، فقد اكتفت بالإعلان عن "المساواة"، دون أن تقدم أي ضمانات دستورية لحماية حقوق الكرد وغيرهم من القوميات غير العربية، مما يجعل النص عرضة للتأويل وفق الأهواء السياسية للنظام القائم.
ثانيًا: خرق مبدأ الهوية الوطنية الجامعة
يُفترض بالدساتير المؤقتة، التي تُعتمد في المراحل الانتقالية، أن تكون جسورًا نحو الحلول الدائمة لا أن تُعيد إنتاج الأزمات التاريخية. ومن أبرز الأخطاء التي وقعت فيها هذه المسودة:
1. الإصرار على الهوية الأحادية للدولة
المادة 1 من المسودة تعرّف سوريا بأنها "الجمهورية العربية السورية"، مما يؤكد استمرار النهج الإقصائي تجاه القوميات غير العربية، وأبرزها الشعب الكردي، رغم أن سوريا تضم مكونات قومية متعددة.
هذا يتعارض مع المعايير الدستورية الحديثة، حيث تعترف الدول المتعددة القوميات بهويات جميع مكوناتها ضمن نصوصها الدستورية، كما هو الحال في الدساتير الفيدرالية والديمقراطية.
2. الإصرار على اللغة العربية كلغة وحيدة
المادة 3 تنص على أن "اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة"، دون أي إشارة إلى اللغات الأخرى المستخدمة من قبل مكونات أساسية في المجتمع السوري، مثل اللغة الكردية والسريانية والتركمانية.
الدساتير الديمقراطية تضمن التعددية اللغوية، خاصة في الدول التي تضم شعوبًا متعددة القوميات، وهو ما تم تجاهله تمامًا في هذه المسودة.
ثالثًا: غياب أي إشارة إلى الحقوق القومية الكردية
تتحدث المسودة في أبوابها المختلفة عن حقوق الإنسان، المساواة، العدالة الانتقالية، وحرية التعبير، لكنها لم تشر من قريب أو بعيد إلى الاعتراف بالشعب الكردي، رغم أن الكرد يشكلون أكثر من 15% من سكان سوريا، ولهم مطالب تاريخية مشروعة تتعلق بالحقوق السياسية والثقافية والإدارية، والتي تشمل:
الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي كمكون أساسي في سوريا.
إقرار الحقوق الثقافية والتعليمية للكرد، بما في ذلك التعليم باللغة الكردية.
ضمان المشاركة السياسية للكرد في مؤسسات الدولة وفق نظام قانوني واضح.
إنهاء سياسات الإقصاء والتهميش التي استهدفت الوجود الكردي في سوريا لعقود.
إن غياب هذه الحقوق الأساسية من النص الدستوري المؤقت يُعد انتكاسة لمفهوم العدالة الدستورية، ويؤكد استمرار سياسة إنكار هوية الكرد، وهو ما يتناقض مع مبادئ المواطنة المتساوية التي تدّعيها المسودة.
رابعًا: تناقض المسودة مع مبادئ العدالة الانتقالية
تنص المادة 10 من المسودة على أن "الدولة تلتزم بتطبيق مبدأ العدالة الانتقالية بما يضمن محاسبة المجرمين وإنصاف الضحايا وتحقيق العدالة وتكريم الشهداء." ولكن:
كيف يمكن الحديث عن العدالة الانتقالية دون الاعتراف بالمظالم التاريخية التي تعرض لها الشعب الكردي، مثل الحزام العربي، والإحصاء الجائر لعام 1962، والسياسات الأمنية القمعية؟
إن أي عدالة انتقالية حقيقية تستوجب الإقرار العلني بهذه الجرائم، وتعويض المتضررين منها، وضمان عدم تكرارها، وهو ما لم تتضمنه هذه المسودة بأي شكل من الأشكال.
خامسًا: غياب أي رؤية لحل القضية الكردية في سوريا الجديدة
أي دستور مؤقت يُفترض أن يكون خطوة نحو الدستور الدائم، ويجب أن يتضمن مؤشرات واضحة لكيفية التعامل مع الملفات السياسية العالقة، وأبرزها القضية الكردية.
عدم تضمين المسودة لأي رؤية حول الحل السياسي للقضية الكردية يعكس إما تجاهلًا متعمدًا لهذا الملف، أو استمرارًا للعقلية القديمة التي ترى في الكرد "مشكلة أمنية" بدلاً من كونهم شريكًا وطنيًا في بناء سوريا المستقبل.
جميع التجارب الدستورية الناجحة في الدول التي خرجت من النزاعات تضمنت حلولًا واضحة لقضايا القوميات، سواء عبر الفيدرالية، الحكم الذاتي، أو ضمان الحقوق السياسية المتساوية، وهو ما تفتقر إليه هذه المسودة تمامًا.
ضرورة تعديل المسودة لضمان العدالة الدستورية
إن استمرار إقصاء الكرد من أي عملية دستورية جديدة يعني إعادة إنتاج الأزمات القديمة، وعرقلة أي فرصة لبناء سوريا جديدة قائمة على التعددية والديمقراطية الحقيقية.
من الضروري أن تتضمن أي صيغة دستورية انتقالية اعترافًا واضحًا بالشعب الكردي كمكون رئيسي في الدولة السورية.
يجب أن تضمن المسودة حقوق الكرد الثقافية، اللغوية، والسياسية بشكل صريح، لا أن تتركها رهينة لتفسيرات غير مضمونة التطبيق.
أي تجاهل لهذه الحقوق سيؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل البلاد، وإضعاف فرص الاستقرار السياسي والاجتماعي.
إن الدساتير ليست مجرد نصوص قانونية، بل هي وثائق تعكس إرادة الشعوب وطموحاتها. وإذا كان الهدف من هذه المسودة هو بناء دولة ديمقراطية، فإن أول اختبار حقيقي لها هو مدى قدرتها على تحقيق العدالة لجميع مكونات الشعب السوري، وفي مقدمتهم الشعب الكردي، الذي دفع ثمنًا باهظًا عبر العقود الماضية في سبيل نيل حقوقه المشروعة.