استبداد الفكر واغتراب العقل

استبداد الفكر واغتراب العقل

تورين شامدين

في عالم السياسة، يُفترض أن تكون الأحزاب أدوات للنضال، منصات للحوار، ومساحات تتلاقى فيها العقول لتشكل رؤى جديدة. لكن ماذا يحدث عندما
تتحول هذه الأحزاب إلى أنظمة مغلقة تحكمها الولاءات بدلاً من الأفكار؟ وكم من المبادرات اغتيلت قبل أن ترى النور لأن أصحابها تجرؤوا على التفكير خارج الخطوط المرسومة؟
في روج آفا، تعيش الأحزاب الكوردية أزمة بنيوية عميقة؛ حيث لم يعد التسلسل الهرمي مجرد أداة تنظيمية، بل أصبح آلية استبدادية تُكرّس احتكار السلطة، وتقمع الفكر المستقل، وتجعل العقل مغتربًا في وطنه. في كل حزب كوردي، هناك هرم تنظيمي شاهق، تقبع في قمته قيادة متحكمة، بينما تمتد قاعدته لتضم المئات ممن يتم تهميشهم لصالح دائرة ضيقة من صُنّاع القرار. من حيث الشكل، يبدو هذا البناء منطقيًا لتنظيم العمل، لكن في المضمون، أصبح وسيلة لقمع الأصوات الجديدة، حيث تُصاغ القرارات في غرف مغلقة، ولا يُسمح للأعضاء إلا بالموافقة، أو في أفضل الأحوال، ترديد الخطاب الرسمي دون تعديله.
هذا النموذج لم يولد من فراغ، بل هو امتداد لعقليات سلطوية متجذرة، ترى في الحزب كيانًا مقدسًا، لا يجوز التشكيك في قراراته، ولا الاقتراب من رموزه. ونتيجة لذلك، أصبح النقد الداخلي جريمة، وصار الحزب أشبه بمؤسسة جامدة، تحكمها البيروقراطية، ويُعاد تدوير الوجوه ذاتها في مواقع القيادة، فيما يبقى الشباب وأصحاب الفكر المختلف على الهامش. في الأحزاب الديمقراطية الحقيقية، يتم اختيار القادة بناءً على كفاءتهم، ويتم اتخاذ القرارات عبر آليات تشاركية تضمن مشاركة جميع الأعضاء. لكن في الأحزاب الكوردية في روج آفا، يبدو أن معادلة القيادة قائمة على الولاء الشخصي لا على الكفاءة. فالقيادات الحزبية لا تتغير إلا نادرًا، وإن حدث تغيير، فهو غالبًا مجرّد إعادة تموضع للأشخاص أنفسهم، وليس تجديدًا حقيقيًا للدماء والأفكار. وهذا يعني أن الأعضاء الشباب أو ذوي الرؤى النقدية لا يجدون فرصة للوصول إلى مواقع التأثير، بل يتم دفعهم إما إلى الصمت أو إلى الانشقاق. الأخطر من ذلك، أن هذا المنطق خلق بيئة سياسية غير صحية، حيث تتحوّل الأحزاب إلى كيانات مغلقة، لا تتفاعل مع المتغيرات السياسية، ولا تطور أدواتها، بل تعيد إنتاج الخطاب ذاته، دون أن تقدم حلولًا حقيقية للتحديات التي تواجهها القضية الكوردية. من المفارقات العجيبة أن الأحزاب الكوردية، رغم خطابها القومي الداعي للوحدة، هي أكثر الكيانات انقسامًا. لكن هذه الانشقاقات لم تأتِ من اختلافات فكرية جوهرية، بل كانت غالبًا نتيجةً لاحتكار القرار من قبل النخب الحاكمة داخل الأحزاب، مما يدفع كل من يُستبعد من الدائرة الضيقة إلى تشكيل حزب جديد، يحمل الخطاب ذاته، لكنه بوجوهٍ مختلفة. بدلًا من أن تكون هناك أحزاب قوية قادرة على بناء استراتيجيات سياسية، نجد أنفسنا أمام أحزاب منقسمة، متشابهة في طرحها، متنافسة على الشرعية، وعاجزة عن تقديم رؤية موحدة للمستقبل.
إن الخروج من هذا المأزق يتطلب تحولًا جذريًا في فلسفة العمل الحزبي، بحيث يصبح الحزب مؤسسة قائمة على التفاعل الحر للأفكار، وليس مجرّد هرمٍ مغلق تتحكم به قيادات لا تخضع للمساءلة. ولتحقيق ذلك، لا بد من: إنهاء احتكار القيادة للقرار، وإيجاد آليات ديمقراطية شفّافة تسمح بمشاركة جميع الأعضاء في صناعة السياسات. بدلاً من التعامل مع النقد كتهديد، يجب اعتباره أداة لتطوير الأداء السياسي، فالأحزاب القوية هي التي تستمع إلى أصوات معارضيها الداخليين، لا التي تقمعهم. لا بد من تقليل المركزية، ومنح الفروع المحلية سلطة اتّخاذ القرارات بما يتناسب مع واقعها، مما يعزز الشعور بالمسؤولية والمشاركة. الأحزاب التي لا تجدّد دماءها تتحوّل إلى كيانات ميّتة، غير قادرة على الاستمرار. يجب أن تكون هناك سياسات واضحة لتمكين الشباب والمفكّرين من لعب أدوار رئيسية داخل الأحزاب. لقد آن الأوان لكسر القيود التي فرضتها البنية الهرمية الصارمة على الأحزاب الكوردية في روج آفا، لأن استمرار هذه العقلية لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسامات والضعف السياسي.
الحرية ليست مجرّد شعار يُرفع في الساحات، بل هي ممارسة تبدأ من داخل الأحزاب نفسها. وحزبٌ لا يسمح لأعضائه بحرية التفكير، لن يكون قادرًا على قيادة شعبه نحو الحرية الحقيقية. السؤال الآن: هل لدى الأحزاب الكوردية الشجاعة للقيام بهذه الإصلاحات قبل أن يفوت الأوان؟