البيت الكردي في كوردستان سوريا بين الوحدة المفقودة والفرصة الأخيرة

البيت الكردي في كوردستان سوريا بين الوحدة المفقودة والفرصة الأخيرة

صلاح عمر

كان البيت الكردي يومًا ما حصنًا منيعًا، ليس فقط ضد الغزاة، بل ضد كل عوامل الانقسام والتشرذم. لم يكن الكرد في سوريا مجرد شعب يعيش على أرضه، بل كانوا عائلة كبيرة تتشارك الألم والأمل، وتتقاسم الخبز والحلم. لكن، وكما تفعل العواصف حين تضرب سقف البيت الهش، جاءت العقود الماضية لتكشف أن وحدتنا، التي كنا نظنُّها صلبة، لم تكن إلا قشرة رقيقة تآكلت بفعل الخلافات والتجاذبات. واليوم، ونحن نواجهُ لحظةً تاريخيةً فاصلة، يبدو سؤال الوحدة الكردية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل يمكن ترميم هذا البيت قبل أن ينهار تمامًا؟
إن الانقسام الكردي ليس حديث العهد، لكنه لم يكن يومًا بهذا العمق والخطورة. منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، كان الانشقاق جزءًا من المشهد، لكن، حينها كان الخلاف محصورًا بين تيارات فكرية تتنافس ضمن مشروع وطني واحد.
أما اليوم، فقد أصبح الخلاف انقسامًا وجوديًا يهدّد مصيرَ القضية برمّتها. فعلى مدار العقود الماضية، لعبت الأنظمة القمعية دورها في تمزيق الحركة الكردية عبر الاعتقالات والقمع، لكن الحقيقة المرة هي أن جزءًا كبيرًا من المسؤولية يقع على عاتق الأحزاب نفسها، التي فضّلت المصالح الفئوية على المصلحة القومية.
حين اندلعت الثورة السورية عام 2011، كانت فرصة ذهبية للكرد ليظهروا مُوحّدين أمام العالم، لكن بدلاً من ذلك، دخلوا في صراعات داخلية حادة. ظهر تياران متناقضان: أحدهما، ممثلًا بالمجلس الوطني الكردي، راهن على المعارضة السورية رغم الغموض في موقفها من القضية الكردية، والآخر، ممثلًا بحزب الاتحاد الديمقراطي وإدارته الذاتية، فضّل خلق واقع جديد على الأرض، لكنه فعل ذلك دون توافق كردي شامل. وهكذا، بينما كان أعداء الكرد يتربّصون، انشغل الأخوة في معارك داخلية أضعفت الجميع.
لم تكن هناك محاولات جادة لرأب الصدع، على العكس، جرت محاولات عديدة، برعاية إقليم كوردستان أو القوى الدولية، لكن جميعها انتهت بالفشل. اتفاقات هولير ودهوك وقامشلو، رغم ما حملته من آمال، بقيت مجرد أوراق بلا تنفيذ. لماذا؟ لأن الأطراف الكردية تعاملت معها كتكتيك مؤقت، وليس كاستراتيجية وطنية طويلة الأمد. كل طرف انتظر سقوط الآخر، لكن أحدًا لم يسقط، والنتيجة كانت استمرار الاستنزاف، بينما القوى الإقليمية والدولية تستخدم الكرد كورقة مساومة في صراعاتها الكبرى.
السؤال الآن: هل لا تزال هناك فرصة لإنقاذ البيت الكردي؟ الجواب هو: نعم، ولكن ليس إلى الأبد. إذا أراد الكرد البقاء كقوة سياسية مؤثرة، فلا بد من تجاوز ثقافة التخوين والعمل وفق مشروع سياسي مشترك، يراعي تعددية الأطراف لكنه يوحد الهدف. ليس المطلوب أن يذوب الجميع في حزب واحد، بل المطلوب هو تشكيل مرجعية سياسية كردية موحدة تضمن عدم تكرار أخطاء الماضي.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن استمرار الانقسام ليس مجرد مأزق سياسي، بل هو تهديد وجودي. إن لم يتدارك الكرد الأمر الآن، فقد لا يجدون غدًا فرصةً أخرى لترتيب بيتهم الداخلي.
فهل يستيقظ الكرد قبل فوات الأوان، أم أننا أمام فصل جديد من الضياع؟