كيف غيرت القراءة حياتي؟

 كيف غيرت القراءة حياتي؟

هنر بهزاد جنيدي

القراءة ليست مجرّد رحلة لاكتشاف الآخرين وأفكارهم، بل أثناء قراءتك عنهم، تكتشف فجأة أنّك تعرّفت على نفسك. بعض الجمل والكلمات تترسخ في ذاكرتك حتى تكاد تظن أنك أنت من كتبها وصاغها، وذلك لشدة انسجامها مع أعماق روحك وآفاق فكرك.
في مجتمع القُرّاء، تجد أن الواحد منهم يحتفظ بعدة نسخ من بعض العناوين والكتب، وبطبعات مختلفة رغم كونها متطابقة. ومع ذلك، تبقى تلك الكتب جزءًا لا يتجزأ من مكتبته، وكأنها توابل تمنح روحه نكهة خاصة، وتغذّي أفكاره باستمرار. فهي ليست مجرد كتب، بل أبواب تفتح على عوالم مألوفة، وذكريات لا تبهت مع الزمن، لا يسمح القارئ لصفحاتها بأن تشيخ، ولا لأثرها أن يتلاشى، ولا لمكانها أن يُفتقد في مكتبته المنزلية.
مهما تعدّدت الكتب التي يقرؤها المرء، فإن ذاكرته لا تحتفظ إلا بأفكار وروح عدد محدود من الكتب. قلة قليلة منها هي التي يترسّخ مضمونها في ذهن القارئ، فيحفظ منها الأقوال والمعلومات والحكم، ويستلهم منها أفكاره، مستشهدًا بها في مجالسه وكتاباته. أما بقية الكتب، فلا تعدو كونها زوائد أو وجبات معرفية سريعة الهضم والتلاشي، تلك الكتب القليلة المؤثرة هي الجوهر والأساس، وعليها تُبنى كل المشاريع القرائية والكتابية الأخرى.
الكتب الأولى تشبه ذكريات الطفولة؛ قليلة جدًا، لكنها راسخة ومقدسة، متغلغلة في الروح والذاكرة. لا تحتاج إلا إلى نسمة عابرة حتى تفوح روائحها وتملأ المكان بألقها البعيد. الكتب المفضلة الأولى، هي كالمنازل والأماكن التي احتضنت سنوات العمر الأولى؛ مهما كبرت وابتعدت، يظل الحنين إليها أبديًا، لا يخبو بمرور الزمن.
فأنا، وحتى هذه اللحظة، ما إن تطأ قدماي أرض الوطن، حتى أجدني مشدودًا لزيارة آثار روحي وجسدي في بيتي الأول ومدرستي الأولى. في زيارتي الأخيرة، حاولت دخول مدرستي الابتدائية، أبحث بعيني عن صفي، وسبورة الفصل، ومكان جلوسي، وآثار مقعدي. كأن الماضي لا يزال نابضًا هناك، وكأنني لم أغادره يومًا، تماماً مثل ذكرياتنا مع الكتب.
أثناء القراءة، لا تستهويني الجغرافيا، ولا التواريخ، ولا خيال الكاتب وفنية أسلوبه، إنما أبحث دائمًا عن تفصيلة نفسية إنسانية عميقة، عن نفس وجداني أصيل. أبحث عن الخطوط الوجدانية التي تشبهني، وتضيف إليّ، وتغيرني كإنسان نحو صورة أفضل وإرادة أقوى. أبحث عن دمعة صادقة، عن آهات تنبع من الأعماق. لذلك، تجدني أختار بين الكتب سير الفقراء والمعذبين، قصص الثوار والمعتقلين، ووصايا المحكومين بالإعدام. فما من أحد اعترك الحياة بقوة هؤلاء، ولا جرّب حقائقها مثلما جربوها. أما الفئات الأخرى من البشر، المرفهون الهادئون المنعمون، فلا شيء في حيواتهم يثير فضولي للبحث في ثنايا سيرهم وكلماتهم ومواقفهم وأسلوب عيشهم.

القراءة ليست مجرّد فعل تأمل أو تسلية، بل هي مرآة تعكس ذاتك، تكشف أعماقك، وتعيد تشكيل وعيك. حين تغلق كتابًا بعد قراءته، لا يعني ذلك أنك انتهيت منه، بل ربما بدأ هو فيك حياة جديدة. هناك كتب تترك في روحك أثرًا لا يُمحى، تصيبك بلعنة جميلة، تلازمك، تغيّرك، وتنبت فيك أفكارًا لم تكن لك، حتى ترى العالم بعيون أكثر عمقًا وحكمة. ومن بين آلاف الكتب، هناك دائمًا كتاب واحد هو كتابك الحقيقي، ذلك الذي تعود إليه مرارًا، لا تملّ قراءته، لأنه في كلّ مرّة تفتحه، تجد أنك تقرأ ذاتك من جديد.
قررتُ منذ فترة التوقّف عن كتابة المقالات، مكتفيًا باستغلال أوقاتي القليلة في القراءة، كوسيلة لإعادة شحن ذاكرتي وروحي بفضاءات أدبية وفكرية جديدة. لكن بينما كنت أقرأ كتاب «كيف غيرت القراءة حياتي» للكاتبة آنا كوبندلين، وجدت الأفكار والذكريات تتدفق في رأسي كدوامة لا تهدأ، وتلك هي الحالة الوحيدة التي تستفز أصابعي لحمل القلم والكتابة. وهكذا وُلد هذا النص الذي بين أيديكم.