في دولة المواطنة
شيركوه كنعان عكيد
عانى المجتمع السوري بمختلف أطيافه لأكثر من خمسة عقود من ضمن ما عاناه من استفحال التمييز العرقي والطائفي والسياسي، مستهدفًا فئات المجتمع التي لا تنتمي إما إلى حزب الفئة الحاكمة أو دينها أو مذهبها الطائفي، تلك الحالة التي خلقتها الأنظمة الديكتاتورية المتعاقبة أدت إلى تقسيم المجتمع إلى فئتين كبيرتين هما الأكثرية المحكومة والمغلوبة على أمرها، والأقلية السائدة التي جعلت من السلطة أداة قمع وإرهاب وإهانة كرامة المواطنين وجعلهم خدماً وعبيداً لتنفيذ ماّربها في سرقة ونهب موارد البلاد، والتحكُّم في رقاب العباد دون أي اعتبار لأية عهود أو مواثيق تنص على احترام حقوق المواطنة.
الواقع الذي لا شك فيه أن شعبنا الكوردي كان له نصيب الأسد من المعاناة والقمع والحرمان في ظل حكومات شوفينية تتلطى خلف الأقنعة الوطنية والثورية بحيث أن ذلك الكوردي المسكين حرم من الاعتراف بحقوقه القومية، بل وفقد حتى صفة المواطن ناهيك عن الحقوق التي تتضمنها تلك الصفة.
كما أن تقسيم المجتمع الى فئتين (كبيرة وصغيرة) تتحكم إحداهما بالأخرى يخالف كلّ الأعراف المدنية الحديثة التي تتبنى مفهوم دولة المواطنة، فإن أي تقسيم للمجتمع الى أكثرية وأقلية، بحيث تسود فيه ثقافة الأكثرية وهيمنتها على الأخرى أيضاً سيجعل من ذلك المجتمع بؤرة خصبة للنزاعات والخصومات التي لا تنتهي والتي تؤول في نهاية المطاف إلى حكومة ظلم واستبداد، ولا يمكنه بأي حال أن يصبح مجتمعاً عادلاً ومتساوياً في الحقوق والواجبات مهما تظاهرت السلطة الحاكمة بذلك.
وها قد سقط آخر معقلٌ من معاقل الاستبداد والطغيان في سوريا ليتولّى زمام الحكم فيها فئة جديدة لا تتبنى أيدولوجيات سياسية محددة إلى الآن، بل تطغى عليها كما هو واضح، العقيدة الدينية المغلفة بروح وطنية.
رغم كل الخطابات والوعود والتّطمينات التي قدّمتها وتقدّمها قيادة تلك الإدارة والمتمثلة في السيد أحمد الشرع إلا أن الممارسات الفعلية لا تزال تراوح بين الاعتدال والتطرُّف نظراً لكثرة الأطراف الفاعلة على المشهد ككل.
ففي رأس الهرم نسمع لغة متسامحة معتدلة تدعو الى دولة المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، بينما تشهد الوقائع على الأرض ممارسات متطرّفة تقوم بها بعض الأطراف والفصائل التابعة ولو اسمياً إلى تلك القيادة، الأمر الذي يجعل المشهد الحالي ضبابياً والمشهد المستقبلي غامض الملامح.
إن دولة المواطنة والمساواة الحقيقة هي التي لا يوجد فيها أقلية وأكثرية، بل مواطنين فحسب، وأن يكون على سبيل المثال من حق أي مواطن منهم، أن يصبح رئيساً أو وزيرًا أو مديراً أو ما شابه ذلك دون فرض شروط مسبقة في الدساتير والقوانين على هوية وانتماء وجنس ذلك المواطن للحصول على ذلك المنصب. ولقد كان الكورد سبّاقين في تولّي تلك المناصب في تاريخ سوريا المعاصر، ولا تزال الأنظمة التي أقّرت بحق الكورد وتبنت الفيدرالية، تمنح هذه الفرصة (العراق مثلًا). لكننا مع الأسف نشهد مواقفَ سلبية جداً من مفهوم الفيدرالية في سوريا الجديدة، فلا يزال هذا المفهوم يمثل هاجساً مرعباً سواءً لدى السلطة الجديدة أو لدى الكثيرين ممن كانوا يوماً ما في صفوف المعارضة، بل أصبح مجرد الحديث عنها خطاً أحمرَ في قناعاتهم.
في دولة المواطنة والأنظمة الديموقراطية المعاصرة، لا يجب أن يعتبر الانتماء العرقي أو الديني والطائفي أو حتى النسبة العددية لكل فئة في المجتمع هو المعيار الذي تقاس به الحقوق في ميزان منحها أو منعها، بل يجب أن تكون المواطنة فحسب، هي المعيار أولاً وأخيراً كما هو الحال في الدول المتقدمة والتي قطّعت شوطاً كبيراً في ممارستها لمبادئ الديموقراطية.. ويطيب لي أن أستحضر ما أوعز به قائدنا ومرجعنا القومي الرئيس مسعود البارزاني لسلطات إقليم كوردستان بعدم استخدام مصطلح (الأقلية) على أرض إقليم كوردستان، فطالما تسود المساواة بين الجميع فلن يبقى مبررٌ لاستخدام هذا المصطلح من هذه الفئة أو تلك، وهذا مؤشر واضح على مدى فهم معنى المواطنة الحقيقية.
فدولة المواطنة التي نتحدث عنها هي، الدولة التي يتمتع فيها كل مواطن فيها بكافة حقوقه الأساسية التي نصت عليها الشرائع السماوية ومنها الشريعة الإسلامية السمحاء، وكذلك الشرائع الوضعية كشرعة حقوق الإنسان والعهود والمواثيق التي تعنى بالحقوق الأساسية للأفراد في الدول التي يحملون جنسيتها، بحيث يحقُّ للشعب الكوردي في سوريا على سبيل المثال أن يدير شؤون حياته، ويعيش وفق ثقافته القومية التي نشأ عليها من حيث اللغة والعادات والتقاليد، وكذلك المعتقدات الدينية والسياسية تماماً مثل حق أي مكوّن آخر في ذلك، طالما أن السلطات الحاكمة فيها تزعم أنها أنظمة ديموقراطية وعصرية وتراعي حقوق الأفراد .
من حق أية فئة مجتمعية أن تكون حريصة على تمسكها بحقوقها وحرصها على ألا تفقد هويتها، لأن الوقائع التاريخية قد اثبت في العديد من الحالات أن فرض ثقافة الفئة المهيمنة ذات اللون الواحد ستؤدي تدريجياً، وبالضرورة إلى زوال أو اضمحلال الفئات المجتمعية الأخرى بعد أن تكون قد تشبعت بثقافة وأعراف الفئة المهيمنة، سواءً ترهيباً أو ترغيباً، رغم أن تحقق ذلك قد يتطلب عشرات السنوات، لكنه احتمال وارد على كل حال. وهذا ما دأبت الأنظمة الشوفينية المهيمنة على فعله على مدار التاريخ، سواء بمواجهة الشعب الكوردي أم الشعوب الأخرى..
أخيراً، لعلني لا أطرح شيئاً جديداً عندما أنوّه الى أن على الإدارة الجديدة أن تعي مسألة بغاية الأهمية، ألا وهي أن قضية دولة المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية يجب أن تكّف عن كونها مجرد شعارات ووعود وردية، بل يجب على الإدارة الجديدة أن تتحلى بالجرأة الكافية لتثبيتها في الدستور الجديد، والالتزام بها وتطبيقها فعليًا على كامل الخارطة السورية، فتسجل بذلك حدثاً استثنائياً سيكتب على أنصع صفحات التاريخ السوري الحديث.