نبوءة الاعتناق ملامح التمرد الكوردي في سياق معادلات السياسة الدولية

نبوءة الاعتناق ملامح التمرد الكوردي في سياق معادلات السياسة الدولية

تورين شامدين

منذ أن وُلدنا في هذا العالم، ككورد، نحن نحيا بين جدران الزيف وحقائق التّلاعُب السياسي. الجغرافيا والتاريخ فرضا علينا أن نكون غرباء في أماكننا، وجعلت المعادلات الجيوسياسية من وجودنا في هذا العالم تحديًا مستمرًا، نعيش بين التكيُّف مع ما يُفرض علينا وبين التمرد على الواقع الذي لا يعكس طموحاتنا وهويتنا. هذه المعركة ليست مجرد مسألة وجود، بل هي معركة متواصلة بين البقاء في الظل وبين السعي للعيش بحرية وكرامة تحت ضوء الحقيقة.
لقد وُلدنا فيما تم الصدق، حيث تُطوى الحقيقة تحت ستار من الصمت والإنكار. لقد اضطررنا إلى التكيُّف مع هذا الظلام المتّسع، والبحث عن سبل لتمديد حياتنا في عالم لا يعترف بنا. لكن على مدار الزمان، ظل الكورد في مواجهة شتى التحديات، حيث أُجبروا على اتخاذ مسارات لا تتوافق مع هويتهم ورفضوا أن يكونوا مجرد أدوات في يد القوى المتسلطة.
الكورد لم يقبلوا أن يُستخدموا كبيادق في لعبة قوى دولية وإقليمية، وإنما ظلوا يطالبون بحريتهم وسيادتهم في مواجهة التحديات القاسية.
في صميم هذا التّمرّد، لا يمكننا إغفال أن النضال الكوردي هو أكثر من مجرد معركة سياسية. هو تمرد ثقافي ووجودي، تمرد ينبع من إيماننا العميق بهويتنا وحقنا في الحياة. اللغة الكوردية، الفنون الكوردية، والعادات الكوردية هي أجزاء لا يمكن فصلها عن هذا التمرد. إذا كانت السياسة هي ساحة الصراع الخارجية، فإن الثقافة هي ساحة المقاومة الداخلية. هذا التمرد ليس مجرد رد فعل سياسي ضد الأنظمة القمعية، بل هو تمسك بحلم الكورد في بناء مستقبل مستقل يعكس تطلعاتهم الحقيقية بعيدًا عن أي تدخلات أو إملاءات خارجية.
الكورد، رغم ما يعانونه من ضعف عسكري في بعض المناطق، إلا أن لديهم إرادة شعبية عظيمة. هذه الإرادة تظل صامدة رغم الظروف القاسية التي يعيشها الشعب الكوردي في سوريا والعراق وتركيا وإيران. في كل ساحة من هذه الساحات، يواجه الكورد تحديات معقدة من أجل الحفاظ على حقوقهم السياسية والثقافية. تتوالى الضغوط الدولية التي تحاول فرض حلول جاهزة على القضية الكوردية، بينما يبقى الكورد مضطرين للاختيار بين التكيُّف مع هذا الواقع أو الوقوف في وجهه بكل ما أوتوا من قوة. لكن، كما شهدنا في الماضي، فإن البقاء على قيد الحياة ليس خيارًا مستدامًا. يجب أن نكون أحرارًا في خياراتنا، نقرر مصيرنا بأنفسنا دون أن نفرض علينا الرؤى التي تتناقض مع مصلحة شعبنا.
في المستقبل القريب، ستظلُّ القضيةُ الكورديةُ حيةً، تتنفس في كل شريان سياسي. لا يمكن للقوى الكبرى أن تحجب نور الأمل الذي يشرق في قلوب الكورد. التفاهمات الإقليمية والدولية قد تكون ضاغطة، لكنها لا يمكن أن تحجب الأمل في تحقيق حق الكورد في تقرير مصيرهم. مع تقدم الزمن وتغير المعادلات السياسية، سيجد الكورد أنفسهم في موقع أكثر قوة في الساحة الدولية، وخاصة إذا تمكنوا من توحيد صفوفهم وصياغة موقف قوي على المستوى الدبلوماسي والعسكري.
يتعيّن على الكورد أن يتعلموا كيفية التفاعل مع القوى الدولية الكبرى دون أن يتنازلوا عن مطالبهم المشروعة. العلاقات مع هذه القوى قد لا تكون سهلة، لكن يمكن أن تصبح ذات فائدة كبيرة إذا تم استخدام الدعم الدولي بشكل ذكي. في الوقت الذي تحاول فيه بعض الدول استخدام القضية الكوردية كورقة تفاوض في معادلات سياسية، يجب على الكورد أن يعززوا موقفهم من خلال بناء تحالفات دولية قوية تشاركهم رؤيتهم للحرية والعدالة. هذه التحالفات، رغم ما قد تفرضه من صعوبات، قد تؤدي في النهاية إلى تغيير المعادلات الدولية بما يخدم مصلحة الشعب الكوردي.
نبوءة الاعتناق هي إعلان عن نضال مستمر لا يتوقف، ورفض للواقع الذي يُراد لنا أن نعيش فيه. إنها دعوة للتغيير الجذري في معادلات السياسة الإقليمية والدولية، ولإعطاء الكورد حقهم الطبيعي في الحرية والاستقلال. مع كل معركة تُخاض، يبقى أمل الشعب الكوردي حيًا، ومقاومته مستمرة ضد الأنظمة التي تحاول إخماد صوته وإرادته. الشعب الكوردي قد لا يملك اليوم دولة، لكن القضيّة الكوردية ستظل حيّة، ترفض الخضوع للأوضاع القائمة. إنها نبوءة التحرر التي ستتحقق مهما طال الزمن، ومهما حاولت القوى الكبرى طمس معالمها.
إنها نبوءة لا تنتهي، بل هي بدايةٌ لمرحلة جديدة من النضال الذي سيؤدي في النهاية إلى بناء كوردستان الحرة، الدولة التي لطالما حلم بها الأجيال، والتي ستظل القضية الكوردية شعلةً تضيء طريق الحرية للشعوب المظلومة والمقهورة.